اليوم، فنزل منه ملك. فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فَسَلَّمَ وقال: أبشر بنورين أُوتِيتَهُما لم يؤْتَهُما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة. لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته.
وفي صحيح مسلم عن آدم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ} ، دخل في قلوبهم منها شيء لم يدخل مثله، فقال النبي / صلى الله عليه وسلم: (قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا) ، قال: فألقي الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} الآيات إلى قوله: {أَوْ أَخْطَانَا} ، قال: قد فعلت، إلى آخر السورة [البقرة: 286] ، قال: قد فعلت.
وفي صحيح مسلم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ} [البقرة: 284] اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير) ، فلما اقتراها القوم وذلت بها ألسنتهم؛ أنزل الله عز وجل في أثرها: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} إلى قوله: {وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] ، فلما فعلوا ذلك نسخها ـ سبحانه ـ فأنزل الله: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} إلى قوله: {قَبْلِنَا} [البقرة: 286] قال: نعم: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال: نعم. إلى آخر السورة. قال: نعم.
والذي عليه جمهور أهل الحديث والفقه أنه يجوز عليهم الخطأ في / الاجتهاد، لكن لا يقرون عليه، وإذا كان في الأمر والنهي فكيف في الخبر؟ وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بنحو مما أسمع، فأحسب أنه صادق، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار) فنفس ما يعد الله به الأنبياء والمؤمنين حقًا لا يمترون فيه، كما قال تعالى في قصة نوح: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ} إلى آخر الآية [هود: 45] . ومثل هذا الظن قد يكون من إلقاء الشيطان المذكور في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ} إلى قوله: {صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الحج: 52ـ 54] وقد تكلمنا على هذه الآية في غير هذا الموضع.
وللناس فيها قولان مشهوران؛ بعد اتفاقهم على أن التمني هو التلاوة والقرآن، كما عليه المفسرون من السلف كما في قوله: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} [البقرة: 78] وأما من أَوَّل النهي على تمني القلب، فذاك فيه كلام آخر، وإن قيل: إن الآية تَعُمُّ النوعين لكن الأول هو المعروف المشهور في التفسير، وهو ظاهر القرآن ومراد الآية قطعًا؛ لقوله بعد ذلك: {فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}