فهرس الكتاب

الصفحة 1066 من 1257

ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون، ولا يجد لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما يحملهم عليه إلى أرض المعركة. . من جناح ولا حرج إذا هم تخلفوا عن المعركة. . إنما الجناح والحرج على الذين يستأذنون رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في القعود وهم أغنياء قادرون، لا يقعدهم عذر حقيقي عن الخروج. .

إنما الجناح والحرج على هؤلاء القادرين الذين يرضون أن يقعدوا قعدة الخوالف في الدور. .

هؤلاء هم المؤاخذون يتخلفهم عن الخروج، والاستئذان في القعود، ذلك أنهم ناكلون متثاقلون، ولا يؤدون حق اللّه عليهم وقد أغناهم وأقدرهم؛ ولا يؤدون حق الإسلام وقد حماهم وأعزهم؛ ولا يؤدون حق المجتمع الذي يعيشون فيه وقد أكرمهم وكفلهم. . ومن ثم يختار اللّه - سبحانه - لهم هذا الوصف: (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) . .

فهو سقوط الهمة، وضعف العزيمة، والرضا بأن يكونوا مع النساء والأطفال والعجزة الذين يخلفون في الدور لعجزهم عن تكاليف الجهاد. . وهم معذورون. .

فأما أولئك فما هم بمعذورين!

(وطبع اللّه على قلوبهم فهم لا يعلمون) . . فقد أغلق اللّه فيهم منافذ الشعور والعلم، وعطل فيهم أجهزة الاستقبال والإدراك، بما ارتضوه هم لأنفسهم من الخمول والبلادة والوخم، والاحتجاب عن مزاولة النشاط الحركي الحي المتفتح المنطلق الوثاب!

وما يؤثر الإنسان السلامة الذليلة والراحة البليدة إلا وقد فرغت نفسه من دوافع التطلع والتذوق والتجربة والمعرفة، فوق ما فرغت من دوافع الوجود والشهود والتأثر والتأثير في واقع الحياة. وإن بلادة الراحة لتغلق المنافذ والمشاعر، وتطبع على القلوب والعقول. والحركة دليل الحياة، ومحرك في الوقت ذاته للحياة. ومواجهة الخطر تستثير كوامن النفس وطاقات العقل، وتشد العضل، وتكشف عن الاستعدادات المخبوءة التي تنتفض عند الحاجة، وتدرب الطاقات البشرية على العمل وتشحذها للتلبية والاستجابة. . وكل أولئك ألوان من العلم والمعرفة والتفتح يحرمها طلاب الراحة البليدة والسلامة الذليلة.

ويمضى السياق يصف حال هؤلاء الأغنياء القادرين الذين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف. .

إن وراء حب الدعة وإيثار السلامة، سقوط الهمة، وذلة النفس، وانحناء الهامة، والتهرب من المواجهة والمصارحة: (يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم) . .

وهذا من إنباء اللّه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين الخلص بما سيكون من أمر هؤلاء المتخلفين من المنافقين بعد الرجوع من الغزوة. مما يدل على أن هذه الآيات نزلت في أثناء العودة وقبل الوصول إلى المدينة.

يعتذرون إليكم عن تخلفهم وقعودهم، ذلك أنهم يخجلون من الظهور بفعلتهم هذه عارية، ومن الكشف عن أسبابها الحقيقية؛ وهي ضعف الإيمان، وإيثار السلامة، والإشفاق من الجهاد!

قل: لا تعتذروا. لا نؤمن لكم. قد نبأنا اللّه من أخباركم!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت