قل: وفروا عليكم معاذيركم. فلن نطمئن إليكم، ولن نصدقكم، ولن نأخذ بظاهر إسلامكم كما كنا نفعل. ذلك أن اللّه قد كشف لنا حقيقتكم، وما تنطوي عليه صدوركم؛ وقص علينا دوافع أعمالكم؛ وحدثنا عن حالكم، فلم تعد مستورة لا نرى إلا ظاهرها كما كنا من قبل معكم.
والتعبير عن عدم التصديق والثقة والائتمان والاطمئنان بقوله تعالى: (لن نؤمن لكم) ذو دلالة خاصة.
فالإيمان تصديق وثقة وائتمان واطمئنان. تصديق بالقول وائتمان بالعقل واطمئنان بالقلب، وثقة من المؤمن بربه، وثقة متبادلة بينه وبين المؤمنين معه. وللتعبير القرآني دائمًا دلالته وايحاؤه.
قل: لا تعتذروا. فلا جدوى للقول ولا معول على الكلام. ولكن اعملوا فإن صدق عملكم ما تقولون فذاك، وإلا فلا ثقة بالقول ولا ائتمان ولا اطمئنان: (وسيرى اللّه عملكم ورسوله) . .
واللّه لا تخفى عليه الأعمال ولا النوايا المخبوءة وراءها؛ ورسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - سيزن قولكم بعملكم. وعلى أساسه سيكون التعامل معكم في المجتمع المسلم.
ولن ينتهي الأمر - على كل حال - بما يجري في هذه الأرض في فترة الحياة الدنيا. فوراء ذلك حساب وجزاء، يقومان على علم اللّه المطلق بالظواهر والسرائر: (ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) . .
والغيب ما غاب عن الناس علمه، والشهادة ما يشهدونه ويعرفونه. واللّه سبحانه عالم الغيب والشهادة بهذا المعنى. وبمعنى أشمل وأكبر. فهو سبحانه يعلم ما في هذا العالم المشهود ويعلم ما وراءه من العوالم المغيبة. . وفي قوله تعالى لأولئك المخاطبين: (فينبئكم بما كنتم تعملون) . . إيماءة مقصودة. فهم يعلمون ما كانوا يعملون. ولكن اللّه - سبحانه - أعلم منهم بها حتى لينبئهم هو بها! وكم من دافع خفي للعمل يخفى حتى على صاحبه وهو يفعله، واللّه أعلم به منه! وكم من نتيجة لهذا العمل لا يدري صاحبه وقوعها، واللّه يعلمها دون صاحبها!. . والمقصود - بطبيعة الحال - هو نتيجة الإنباء. وهي الحساب والجزاء الحق على الأعمال. ولكن هذه النتيجة لا ينص عليها، إنما ينص على الإنباء ذاته لمناسبة هذه الإيماءة في هذا السياق.
سيحلفون باللّه لكم - إذا إنقلبتم إليهم - لتعرضوا عنهم. فأعرضوا عنهم، إنهم رجس، ومأواهم جهنم، جزاء بما كانوا يكسبون. . وهذا إنباء آخر من اللّه سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم، عما سيكون من أمر القوم عندما يعود إليهم هو والمؤمنون الخلص معه سالمين آمنين. وكان المنافقون قد ظنوا أنهم لا يعودون من لقاء الروم!
فقد علم اللّه وأخبر نبيه أنهم سيؤكدون معاذيرهم بالحلف باللّه؛ لعل المسلمين يعرضون عن فعلتهم وتخلفهم عفوًا وصفحًا؛ ولا يحاسبونهم عليها ويجازونهم بها.
ثم يوجهه ربه إلى الإعراض عنهم فعلًا، لكن لا بمعنى العفو والصفح؛ إنما بمعنى الإهمال والإجتناب. معللًا ذلك بأنهم دنس يتجنب ويتوقى: (فأعرضوا عنهم، إنهم رجس) . .