توقف الجهاد وانتهى زمن التضحيات والمواقف والرجال في ساحات المعارك؟ لا لقد عوض الله جلّ وتعالى هذه الأمة بعد سيف الله المسلول على مدار تاريخها بسيوف أقضت مضاجع الكفار، وزلزلت عروش الطغاة والجبابرة، فقدموا وبذلوا المهج في سبيل الله، وحقق الله على أيديهم انتصارات على دول كبرى وجيوش عظمى لم يخطر في بال أحد في يوم من الأيام أنها تسقط، فأسقطها الله على أيدي مجاهدين لم تتجاوز خبرتهم العسكرية بضع سنوات، وقد أكرم الله جل وتعالى بعضهم بالشهادة ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا. أيها المسلمون، لقد أريقت دماء طاهرة على رُبى حطين، وعلى جبال قندهار وفي أودية البوسنة، وعلى مرتفعات طاجكستان، وفي أراضي الشيشان، ولا يزال قوافل من جنود الله عز وجل ينتظر الحصول على هذا الوسام النفيس، وسام الشهادة في سبيل الله. قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [التوبة:52] .
هؤلاء الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله قد أمنوا من عظيم الأهوال والكربات، وسكنوا في أجل المحالّ في أعلى الغرفات، وكرعوا من النعيم أكوابًا، وادّرعوا من التنعيم أثوابًا، ومُتعوا بجنان الفردوس مستقرًا ومآبًا، وتمتعوا بحورٍ عينٍ كواعب أترابًا، أرواحهم في جوف طير خضر تجول في الجنان تأكل وتشرب، وتأوي إلى قناديل معلقة في عرش الرحمن، يتمنون الرجوع إلى هذه الدار ليقتلوا في سبيل الله مرات ومرات، لما بهرهم من ثواب الله الجزيل، فما أقبح العجز عن انتهاز مثل هذه الفرص، وما أنجح الاحتراز بالجهاد عن مقاساة تلك الغصص، وليت شعري بأي وجه يلقى الله غدًا من فر اليوم من أعدائه، وماطله بتسليم نفسه بعد عقد شرائه، ودعاه إلى جنته ففرّ وزهد في لقائه، وبأي عذر يعتذر بين يديه من هو عن سبيله ناكب، وعمّا رغّبه فيه من الفوز العظيم راغب، قال النبي: (( إن للشهيد عند ربه سبع خصال، أن يغفر له في أول دفعة في دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلّى حلية الإيمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفّع في سبعين من أقاربه ) ).
فرحم الله من مات من مجاهدي هذه الأمة ..
أبكي وهل يَشفي البكاء جراحيا ... أم هل يُنَكِّل بالعدو بكائيا
جَلَّ المُصَابُ أحبَّتي فترقرقت ... منِّي الدُّموعُ فرُحتُ أشكوَ حاليا
ما كنتُ أرجو أن يُصابَ بشوكةٍ ... من عاش في أرض الجهادِ مُحامِيا
هل ماتَ من بَذلَ الرَّخيصَ لربِّه ... مُتجرِّدًا ومع الرَّخيص الغاليا
يا من شرَى تِلكَ الجِنانَ بروحه ... هلا أجبت تساؤلي ونِدائيا
هلا أجبت الشيخَ في شرق البلاد ... وغربها هلا أجبت نسائيا
هلا أجبت الطفلَ يطلبُ ناصِرًا ... ما عُدتُ ألقى لُقمتي وكِسائيا
قتلوكَ غدرًا يالقُبحَ صَنيعهم ... قتلوك ظنوا أن تزولَ أمانيا