فهرس الكتاب

الصفحة 1122 من 1257

جماعة، بعد أن عاش عمره مجاهدا، وسجن مرتين، وضيق عليه بالحصار والإيذاء، فما زاده ذلك إلا قوة وبذلا. ورحلت ـ يا بطلنا ـ كما يحلّق الأبطال، جسدك مات من زمن، وروحك في رأسك كانت تفاوض للمغادرة، فوداعا ـ يا أحمد ياسين ـ كما ودّعنا من قبلك فلسطين. كيف استطعت ـ يا ياسين ـ بكرسي الإعاقة المتحرك أن تخرج كثيرا من الكراسي الصحيحة لكنها قعيدة الحركة؟! كيف استطعت وأنت الشيخ المعاق أن توقظ الأمة وكثير منا صحاح الأبدان قعيدو الهمة؟! قضيتَ عمرَك برغم شللك، تبني في النفوس عزيمة المواجهة للعدو وقوة الصبر على المدافعة، فأعليت ذلك البناء بروعة استشهادك، نحسبك كذلك ولا نزكي على الله أحدا.

أيها المسلمون، إنّ جهاد الشيخ ياسين طوال عمره وبرغم إعاقته رسالة إلى أولئك الذين يظنون بجيوشهم الاستعراضية وأجسامهم الصحيحة أنهم بمفاوضتهم أو مؤتمراتهم أو مصافحتهم ومدّ أيديهم للصهاينة والصليبين يحققون شيئا أو نصرا موهوما لزعامتهم، ناسين أو متناسين مبدأ عداوة اليهود وغدرهم الثابت بالقرآن، وظنوا أن مبادئ التعايش السلمي وخيار السلام يمكن لها أن تقوم أمام هؤلاء الصهاينة.

إن جنازة الشيخ ياسين سوف تصنع بإذن الله ما لا تصنعه بلاغة الكلام وإطناب العبارة بإعداد شباب يتربون في مثل هذه الأحداث لمواجهة الصهاينة وإخراجهم من الأرض المقدسة، وليس ذلك على الله بعزيز. إن جنازة الشيخ ياسين تعطينا درسا تربويا عظيما؛ كيف أن القوة الحقيقية في الإرادة والعزيمة والتصميم، كيف أن معاقا مشلول الأطراف جعل دولة يهودية تقف أمامه وتدخل معه معركة تليق برجس يهود، معركة تجعل رأيهم يسهر متابعا لتنفيذها، متفضحًا عريهم الأخلاقي، هم وزعيمتهم الكبرى أمريكا.

إنه موت الشيخ ياسين دلالة على أن أصحاب العزائم القوية هم أصحاب الأيدي المتوضّئة والقلوب المؤمنة، فهم الذين يتذوّقون لذة الجهاد، وكما يحركهم الإيمان للخروج لصلاة الفجر جماعة فإن الشوق يدفعهم للتضحية والفداء، فالذين يجيبون"حي على الجهاد"هم الذين يجيبون"حي على الصلاة". كما أثبت فقدُ الناس له ورثاؤهم على كافة طوائفهم واتجاهاتهم أن الإسلام هو الخيار الوحيد للمقاومة، كما بينه إفلاس غيره من شعارات شعبية أو اشتراكية أو وطنية لم يستفد أحد منها، ولعل في استشهاد الشيخ ياسين بإذن الله إحياء لمبدأ الجهاد في الأمة الذي خمد في كثير من النفوس، ودفع للتشويه الذي طاله من قبل أفعال بعض الفئات حين لم يطبقوه جيدا أو الهجمات الصليبية عليه وعلى أهله وجمعيات الخير الداعمة له، وإحياء لمبدأ الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين من صهاينة وصليبيين الذين هم أولياء بعض كما وصفهم الله.

نتحدث عنك ـ يا ياسين ـ لكي تذكرنا معاني الجهاد الذي ضعف فينا وسمات الشهادة التي خفت علينا، نتذكرك في فلسطين وخطّاب قبلك في الشيشان والمجاهدون الصادقون من قادة الأمة الأبرار وسلفها الأخيار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت