فهرس الكتاب

الصفحة 1135 من 1257

بالتوحيد كما أمره الله بقوله: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:94 - 96] إلا والكفر يكشر عن أنيابه وأعناق المشركين تشرئب لإيذاء المسلمين الموحدين.

فهذا الصحابي الجليل خباب بن الأرت يصور لنا الأمر فيقول: شكونا إلى رسول الله وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟! ألا تدعو لنا؟! فقال: (( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصدّه ذلك عن دينه. والله، ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون ) )رواه البخاري.

فاشتد البلاء على أصحاب رسول الله في مكة المكرمة زادها الله تشريفًا وتكريمًا، ولقي المسلمون من صنوف العذاب وألوان التنكيل ما يشيب من هوله الولدان، فما زادهم ذلك إلا ثباتًا ورسوخًا على دعوة التوحيد وإصرارًا على الإسلام، فما وهنوا ولا استكانوا ولا ضعفوا، فمات من مات منهم تحت سياط التعذيب وأساليب البطش والتنكيل، وكتب الله لمن شاء منهم النجاة، حتى قاموا بدورهم المنوط بهم في الدعوة والجهاد في سبيل الله عز وجل، قال الله تعالى: مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب:23] .

فكان من تمام نعمة الله عليهم أن أبدلهم من بعد خوفهم أمنًا، واستخلفهم في الأرض، ومكن لهم دينهم الذي ارتضاه لهم، فآواهم وأيدهم بنصره، ورزقهم من الثمار والطيبات بعد الخوف والاستضعاف والصبر على اللأواء والمصائب، كما قال الله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال:26] .

واعلموا ـ يا عباد الله ـ أن الله سبحانه وتعالى بعد أن فرض على المسلمين الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة أذن لهم في القتال في سبيله عز وجل ولم يفرض عليهم، فقال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:39، 40] .

ثم فرض الله عليهم جهاد الدفع؛ أن يدفعوا عن أنفسهم الاعتداء فيقاتلوا من قاتلهم دون من لم يقاتلهم، فقال تعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190] .

ثم أنزل الله على المسلمين القتال وجهاد الطلب ليقاتلوا جميع المشركين، وعظم الله أمر الجهاد والمجاهدين، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة:38، 39] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت