وأمر الله سبحانه وتعالى بالنفير وحض عليه فقال تعالى: انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [التوبة:41] .
ومنذ ذلك الحين وقافلة التوحيد تشق عباب الظلمات، وتزيل عن العباد أرجاش الشرك وأنجاس الأوثان، فالجهاد في سبيل الله إنما كان لتحقيق التوحيد وليعبد الله وحده لا شريك له، كما قال رسول الله: (( بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم ) )رواه أحمد عن أبي هريرة بإسناده صحيح.
وهكذا كان الجهاد من أفضل الأعمال وجلائل الخصال الحميدة؛ لما فيه من إزهاق للباطل وإحقاق للحق ونشر للخير والفضيلة وقمع للشرك وجنده وانتشار للتوحيد وحزبه، فحري بالمسلمين أن يتشبعوا بهذه الشرائع الوثابة العالمية ليكونوا من ذوي الهمم العالية، لا من أصحاب النفوس الدنيئة الكسولة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ) )رواه مسلم.
فنسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يجعلنا من المجاهدين في سبيله الصادعين بالحق، وأن يرزقنا الموت في سبيله.
الخطبة الثانية
إن الناظر إلى حياة سلفنا الصالح رضوان الله عليهم يرى كيف كان تسابقهم إلى ساحات الوغى وميادين الجهاد، وكيف كان تنافسهم على القتال في سبيل الله والتسابق إلى نيل الشهادة، ولنتأمل هذه الأمثلة الرائعة:
فعن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله يتوارى، فقلت: ما لك يا أخي؟! فقال: إني أخاف أن يراني رسول الله ويستصغرني ويردني، وأنا أحب الخروج لعل الله يرزقني الشهادة، قال: فعرض على رسول الله فاستصغره، فقال: (( ارجع ) )، فبكى عمير، ثم قبله رسول الله في صفوف المجاهدين.
وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما عرض على رسول الله في غزوة أحد استصغره فرده، فقال عبد الله: فبت شر ليلة، ما رأيت مثلها قط في السهر والحزن والبكاء.
وهذا خالد بن الوليد وهو الفارس في ميدان الحرب، يخوض بسيفه غمار المعارك، ويتمنى الشهادة، ويتعطش للقاء ربه في بطولة فذة وفداء عظيم فيقول: (لقد شهدت زهاء مائة معركة، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء) .