فهرس الكتاب

الصفحة 1137 من 1257

وهذا ربعي بن عامر يجيب رستم قائد الجيش الفارسي حين قال له: ما الذي دعاكم إلى حربنا والولوج بديارنا؟! قال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العابد، ومن جور السلطان إلى عدل الإسلام، ثم التفت إلى الجيش الخائفين الراكعين على يمين وشمال رستم فقال: لقد كانت تبلغنا عنكم الأحلام، وما أرى ـ والله ـ قومًا أسفه منكم، إننا ـ معاشر المسلمين ـ لا يستعبد بعضنا بعضًا، وكان أحسن من الذي صنعتم، هل تخبروني أن بعضكم أرباب لبعض؟ فالتفت الدهماء إلى بعضهم يتهامسون وهم يقولون: صدق ـ والله ـ العربي، أما القادة والرؤساء فلقد جبنوا في كلام ربعي، هذا ما يشبه الصاعقة أصابت كيانهم فحطمته، حتى قال قائلهم: والله، لقد رمى هذا العربي بكلام لا تزال عبيدنا تنزل إليه.

هذه صور حية من صور التضحية والفداء والبطولة والجهاد سطرها لنا التاريخ عن أجدادنا وأسلافنا بأحرف من نور، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40] .

أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع

فيا عباد الله، إن الترابط بين الصيام والجهاد وثيق، والصلة بينهما عميقة، فالصيام مجاهدة للنفس عن الشهوات وسائر المفطرات، فهو مغالبة لشهوة البطن والفرج، والجهاد مغالبة لحظوظ النفس ونزغات الشيطان، ولذلك كان شهر رمضان عند أسلافنا شهر الجهاد والفتوحات الإسلامية، ففي السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة كانت غزوة بدر الكبرى، والتي جعلها الله فرقانًا بين الحق والباطل وبين الإسلام والكفر، وفي الحادي والعشرين منه في سنة ثمان للهجرة فتحت مكة، وبفتحها دكت معاقل الشرك وأزيلت رايات الكفر ومعالم الوثنية، وفي سنة تسعة للهجرة في شهر رمضان أيضًا شهد رسول الله ومعه المهاجرون والأنصار بدايات أحداث غزوة تبوك، والتي كان كانت آخر غزواته عليه الصلاة والسلام، وفي السنة الرابع عشرة من الهجرة من شهر رمضان أيضًا كانت معركة القادسية بقيادة الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص، وفي سنة ثلاث وخمسين من الهجرة في نفس الشهر فتح المسلمون جزيرة رودس، وفي سنة إحدى وتسعين من شهر رمضان نزل المسلمون الشاطئ الجنوبي من بلاد الأندلس، وفي السنة التي تليها ـ أي: سنة اثنتين وتسعين للهجرة ـ في شهر رمضان أيضًا انتصر المسلمون بقيادة القائد المظفر طارق بن زياد على القوط والفرنجة، وكان ذلك تمهيدًا لفتح الأندلس في سنة ثلاث وتسعين للهجرة، وفي سنة خمسمائة وأربع وثمانين من الهجرة في شهر رمضان كان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله قد حقق الانتصارات تلو الانتصارات على الصليبيين، وفي سنة ستمائة وثمانية وخمسين هجرية في شهر رمضان ينتصر المسلمون على التتار في موقعة عين جالوت بقيادة القائد الإسلامي قطز والظاهر بيبرس.

وما فتئ الزمان يدور حتى ... مضى بالمجد قوم آخرون

وآلِمنِي وآلم كلَّ حر ... سؤال الدهر: أين المسلمون؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت