فهرس الكتاب

الصفحة 1143 من 1257

مظهره بل يتشبه بالكفار والفساق؟! أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ [السجدة:18] ، أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:35، 36] .

يقول الحسن البصري رحمه الله متحدثا عن العصاة من أمة محمد:"لئن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم البغال فإن ذل المعصية في وجوههم، يأبى الله إلا أن يذل من عصاه". يقول الحسن رحمه الله: إنه مهما سارت بهم بغالهم وبراذينهم بطريقة جميلة ومشية فارهة، لا يقدر عليها إلا عِلية القوم، فإنهم على غناهم وثروتهم وجاههم إلا أن الذل ظاهر على وجوههم وسواد المعصية لا يخفى على عين، ولا شك أن عز الطاعة يظهر واضحًا وجليًا على الوجوه، كما قال الله تعالى: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [محمد:29] ، وكذلك ذل المعصية يظهر جليًا وواضحًا للذين أنار الله بصائرهم، كما قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر:75] .

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

أما بعد: إن ترك الجهاد يصيب المسلمين بالذل والصغار كما قال نبينا: (( إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أدخل الله عليهم ذلًا لا يرفعه عنهم حتى يُراجعوا دينهم ) ).

فالمسلمون اليوم قد بخلوا بأموالهم عن إنفاقها في سبيل الله، ترى المسلم منا يتنعم بملذات الحياة ويأبى أن ينفق نزرًا يسيرًا من ماله في سبيل الله تعالى، والمسلمون قد تبايعوا بالعينة وتحايلوا على الربا، بل إن من المسلمين من يتعامل بالربا جهارا نهارا، وهم قد رضوا بالزرع والدنيا وانشغلوا بها عن الآخرة، جاء في سنن الترمذي وأبي داود عن أسلم أبي عمران قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينيّة وعلى الجماعة عبد الرّحمن بن خالدٍ بن الوليد، والرّوم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجلٌ على العدوّ فقال النّاس: مه مه، لا إله إلاّ الله يلقي بيديه إلى التّهلكة، فقال أبو أيّوب: إنّما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لمّا نصر الله نبيّه وأظهر الإسلام قلنا: هلمّ نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله عزّ وجلّ: وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195] ، فالإلقاء بأيدينا إلى التّهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيّوب يجاهد في سبيل الله عزّ وجلّ حتّى دفن بالقسطنطينيّة. لقد كان أبو أيوب الأنصاري في ذلك الوقت شيخًا كبيرًا قد عمي بصره، فقيل له: إن الله قد جعل لك رخصة، فأجاب: إني أحب أن أُكثِّر من سواد المسلمين.

هم نصروا دين الله وجاهدوا في سبيله فأعزهم الله ونصرهم على عدوهم، أما نحن فخذلنا دين الله وخذلنا جنده، لذا كانت النتيجة ـ عباد الله ـ أن سلط الله علينا ذلًا لا يُرفع إلا بالرجوع إلى الدين وإحياء فريضة الجهاد، وهذا يُفهم من قول النبي: (( وجُعل الذل والصغار على من خالف أمري ) ). فالعزة والنصر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت