قال شيخ الإسلام في بيان هذه المراتب: (وهو مركب من أصل لا يتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصا يستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة، فالناس فيه ظالم لنفسه ومقتصد وسابق) [مجموع الفتاوى 7/ 373 [.
فإذا كان المقصود بأن المرء لا يخاطب بآيات الإعداد أو الجهاد حتى يكتمل إيمانه أي: حتى يأتي بالمرتبة الثانية على أتم الوجوه وأكملها، فإن هذا لا يمكن أن يكون، وذلك - وكما بينا - أن الإيمان الواجب يدخل فيه القيام بكل الواجبات والانتهاء عن جميع المحرمات، وهذه الواجبات يدخل فيها الجهاد والإعداد كما يدخل فيها الصوم والحج، فإذا كان المرء تاركا للإعداد الواجب أو الجهاد العيني فإنه لم يأت بالإيمان الواجب بل هو في دائرة الوعيد كالتارك للصيام بغير عذر سواء بسواء، ولا يمكن لمثل هذا أن يكمل إيمانه إلا بأداء عبادتي الجهاد والإعداد، هذا من حيث أصل المسألة وجهة تصورها.
أما إن كان المقصود بعدم مخاطبة ناقص الإيمان بالآيات المذكورة، أن الفاسق المرتكب للمحرمات كالزنا وشرب الخمر والسرقة ونحو ذلك لا نخاطبه بالجهاد ولا بالإعداد حتى يقلع عما هو فيه من الفسق والفجور فهذا ما لا دليل عليه من الكتاب ولا السنة، وليس لأحد من المسلمين أن يسقط التكاليف الشرعية والأوامر القرآنية عن أحد بدعاوى لا تعتمد على دليل واضح جلي، وإلا لأمكن لكل أحد أن يتفلت من تلك الأوامر بأي وسيلة شاء وتحت أية ذريعة أراد.
هذا والأدلة من الكتاب والسنة على بطلان هذا القول لا تكاد تحصى:
أولها: أن الأوامر التي جاءت تأمر بالجهاد والإعداد جاءت مطلقة لم تفرق بين مؤمن ومؤمن ولم تخص تقي عن شقي ولا عدل عن فاسق بل كل من صح أن يطلق عليه اسم الإيمان - هو شامل للمراتب الثلاثة المذكورة - فهو مخاطب بها كغيرها من الأوامر، فكما لا يجوز لأحد أن يقول إن قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) ، خاص بكاملي الإيمان، فكذا لا يجوز له أن يقول إن قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ) خاص بهم، وما يقال في تلك الآية يقابل بمثله في هذه، ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) ، وهذه الآية تنص على أن المؤمنين الذين كمل إيمانهم واستحقوا التزكية من الله تعالى هم الذين آمنوا به وبرسوله ولم يشكوا أو يرتابوا في وقت من الأوقات ثم جاهدوا في سبيل ذلك الإيمان بأموالهم وأنفسهم فهؤلاء هم الذين صدقوا في أنهم مؤمنون حقا، وهذا يبين أن المرء لا يمكن أن يكون مؤمنا حق الإيمان كاملا فيه حتى يجاهد بنفسه وماله.