قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: (أي إنما المؤمنون الكمل(الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) أي لم يشكوا ولا تزلزلوا بل ثبتوا على حالة واحدة وهي التصديق المحض: (وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، أي وبذلوا مهجهم ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) أي في قولهم إذا قالوا إنهم مؤمنون) [تفسير ابن كثير 4/ 220 [.
ومن ذلك أن المرء يحتاج إلى أعمال صالحة تذهب عنه درن السيئات وران الموبقات، والجهاد من أعظم الأبواب التي ينال بها المسلم هذه المزية كما قال سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، فالآية نصت على أن الجهاد هو أحد الطاعات التي يغفر الله بها الذنوب ويكفر الخطايا، ولم تفصل نوع تلك السيئات فقد تكون من الكبائر أو من الصغائر.
فالفاسق الذي ابتلي بارتكاب المعاصي واقتراف الآثام أولى له أن يجتهد في أداء هذه العبادة، لمحو ما سيئاته وذنوبه، وينبغي أن يحض على القيام بها لا أن يمنع منها ويجعل بينه وبينها حواجز وموانع ما أنزل الله بها من سلطان.
وفي هذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: (ومن كان كثير الذنوب فأعظم دوائه الجهاد فان الله عز وجل يغفر ذنوبه كما أخبر الله في كتابه بقوله سبحانه وتعالى:(يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [مجموع الفتاوى 28/ 421 [.
وأما الأحاديث:
فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم) .
ومن آثار الصحابة رضي الله عنهم قصة أبي محجن رضي الله عنه، وفيها: (أتى سعد بأبي محجن يوم القادسية وقد شرب الخمر، فأمر به إلى القيد، وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس، قال: وصعدوا به فوق العذيب لينظر إلى الناس، واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، فلما التقى الناس قال أبو محجن: كفى حزنا أن تطرد الخيل بالقنا وأترك مشدودا علي وثاقيا، فقال لابنة حصفة امرأة سعد: أطلقينى ولك الله على إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، وإن قتلت استرحتم مني؛ قال: فحلته حين التقى الناس، فوثب على فرس لسعد يقال لها البلقاء، ثم أخذ رمحا ثم خرج فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم، وجعل الناس يقولون: هذا ملك لما يرونه يصنع، وجعل سعد يقول: الضبر ضبر البلقاء، والطعن طعن أبى محجن، وأبو محجن في القيد، فلما هزم العدو