فهرس الكتاب

الصفحة 1183 من 1257

رجع أبو محجن حتى وضع رجله في القيد، وأخبرت ابنة حصفة سعدا بما كان من أمره، فقال سعد: لا والله لا أضرب بعد اليوم رجلا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم، فخلى سبيله فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها، فأما إذ بَهْرَجْتَنِى فلا والله لا أشربها أبدا) [أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة [.

فهذا الصحابي كان يشرب الخمر وما منعه ذلك من أن يجاهد في سبيل الله، بل كان إقدامه على الجهاد وبلائه في القتال سببا في إسقاط الحد عنه.

ولهذا كان اختيار بعض الفقهاء منهم ابن القيم أن من ارتكب موجبا للحد في الغزو ثم أتى من الأعمال الصالحة ما يدل على صدق توبته وما يربو على ذلك الذنب أن الحد يسقط عنه كلية سواء كان في دار الحرب أو رجع إلى دار الإسلام.

وفيه يقول ابن القيم رحمه الله: (والظاهر أن سعدا رضي الله عنه اتبع في ذلك سنة الله تعالى، فإنه لما رأى من تأثير أبي محجن في الدين وجهاده وبذله نفسه لله ما رأى درأ عنه الحد، لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة وجعلتها كقطرة نجاسة وقعت في بحر، ولا سيما وقد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال إذ لا يظن مسلم إصراره في ذلك الوقت الذي هو مظنة القدوم على الله وهو يرى الموت) [إعلام الموقعين 3/ 5 [.

وإذا كان من اعتقاد أهل السنة أن الجهاد يجب وهو ماض إلى يوم القيام مع كل بر وفاجر لا يبطله عدل عادل ولا جور جائر، وهؤلاء الذين يغزى معهم ويقصدهم العلماء هم القادة والأمراء، ولم يقل قائل ممن يعتد به إن فسقهم يمنعهم من القتال أو يحرم الغزو معهم والسمع والطاعة لهم في المعروف، فكيف إذا يمنع الفاسق الذي قد يكون جنديا مغمورا في الجيش من الجهاد والغزو بدعوى أن إيمانه لم يكتمل، وأن آيات الجهاد والأعداد لا تخاطبه وهو على تلك الحال من الفسق.

قال الإمام ابن حزم رحمه الله: (ولا إثم بعد الكفر أعظم من إثم من نهى عن جهاد الكفار، وأمر بإسلام حريم المسلمين إليهم من أجل فسق رجل مسلم لا يحاسب غيره بفسقه) [المحلى 7/ 218 [.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله مبينا أن آيات الجهاد يخاطب بها كل من كان من المؤمنين سواء كان برا أو فاجرا بل والمنافقون أيضا: (الفساق يخرجون من النار بالشفاعة وإن معهم إيمان يخرجون به من النار، لكن لا يطلق عليهم اسم الإيمان لأن الإيمان المطلق هو الذي يستحق صاحبه الثواب ودخول الجنة، وهؤلاء ليسوا من أهله وهم يدخلون في الخطاب بالإيمان لأن الخطاب بذلك هو لمن دخل في الإيمان وإن لم يستكمله، فإنه إنما خوطب ليفعل تمام الإيمان، فكيف يكون قد أتمه قبل الخطاب، فالخطاب بـ(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ، غير قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت