فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 1257

وهكذا قامت الجماعة المسلمة الأولى - في المدينة - على هاتين الركيزتين. . على الإيمان بالله: ذلك الإيمان المنبثق من معرفة الله - سبحانه - وتمثل صفاه في الضمائر؛ وتقواه ومراقبته، واليقظة والحساسية إلى حد غير معهود إلا في الندرة من الأحوال. وعلى الحب. الحب الفياض الرائق، والود. الود العذب الجميل، والتكافل. التكافل الجاد العميق. . وبلغت تلك الجماعة في ذلك كله مبلغا، لولا أنه وقع، لعد من أحلام الحالمين! وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة، ولكنها في طبيعتها أقرب إلى الرؤى الحالمة! وهي قصة وقعت في هذه الأرض. ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد والجنان!

وعلى مثل ذلك الإيمان ومثل هذه الأخوة يقوم منهج الله في الأرض في كل زمان. .

ومن ثم يعود السياق فيحذر الجماعة المسلمة من التفرق والاختلاف؛ وينذرها عاقبة الذين حملوا أمانة منهج الله قبلها - من أهل الكتاب - ثم تفرقوا واختلفوا، فنزع الله الراية منهم، وسلمها للجماعة المسلمة المتآخية. . فوق ما ينتظرهم من العذاب، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه:

(ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم. يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. فأما الذين اسودت وجوههم: أكفرتم بعد إيمانكم ? فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون) . .

وهنا يرسم السياق مشهدا من المشاهد القرآنية الفائضة بالحركة والحيوية. . فنحن في مشهد هول. هول لا يتمثل في الفاظ ولا في أوصاف. ولكن يتمثل في آدميين أحياء. في وجوه وسمات. . هذه وجوه قد أشرقت بالنور، وفاضت بالبشر، فابيضت من البشر والبشاشة، وهذه وجوه كمدت من الحزن، وغبرت من الغم، واسودت من الكآبة. . وليست مع هذا متروكة إلى ما هي فيه. ولكنه اللذع بالتبكيت والتأنيب: (أكفرتم بعد إيمانكم ? فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون!) . .

(وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون) . وهكذا ينبض المشهد بالحياة والحركة والحوار. . على طريقة القرآن.

وهكذا يستقر في ضمير الجماعة المسلمة معنى التحذير من الفرقة والاختلاف. ومعنى النعمة الإلهية الكريمة. . بالإيمان والائتلاف.

وهكذا ترى الجماعة المسلمة مصير هؤلاء القوم من أهل الكتاب، الذين تحذر أن تطيعهم. كي لا تشاركهم هذا المصير الأليم في العذاب العظيم. يوم تبيض وجوه، وتسود وجوه. .

ويعقب على هذا البيان لمصائر الفريقين تعقيبا قرآنيا يتمشى مع خطوط السورة العريضة، يتضمن إثبات صدق الوحي والرسالة. وجدية الجزاء والحساب يوم القيامة. والعدل المطلق في حكم الله في الدنيا والآخرة. وملكية الله المفردة لما في السماوات وما في الأرض. ورجعة الأمر إليه في كل حال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت