(تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق، وما الله يريد ظلما للعالمين. ولله ما في السماوات وما في الأرض. وإلى الله ترجع الأمور) . .
تلك الصور. تلك الحقائق. تلك المصائر. . تلك آيات الله وبيناته لعباده: نتلوها عليك بالحق. فهي حق فيما تقرره من مبادئ وقيم؛ وهي حق فيما تعرضه من مصائر وجزاءات. وهي تتنزل بالحق ممن يملك تنزيلها؛ وممن له الحق في تقرير القيم، وتقرير المصائر، وتوقيع الجزاءات. وما يريد بها الله أن يوقع بالعباد ظلما. فهو الحكم العدل. وهو المالك لأمر السماوات والأرض. ولكل ما في السماوات وما في الأرض. وإليه مصير الأمور. إنما يريد الله بترتيب الجزاء على العمل أن يحق الحق، وأن يجري العدل، وأن تمضي الأمور بالجد اللائق بجلال الله. . لا كما يدعي أهل الكتاب أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودات! في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 415)
وقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (46) سورة الأنفال
وَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِطَاعَتِهِ تَعَالَى فِي الثَّبَاتِ عِنْدَ لِقَاءِ الأَعْدَاءِ المُشْرِكِينَ، وَبِالإِخْلاَصِ لَهُ، وَبِبَذْلِ الجُهْدِ فِي القِتَالِ، وَبِذِكْرِ اللهِ كَثِيرًا لِتَطْمَئِنَّ النُّفُوسُ وَتَهْدَأَ، وَيُزَايلَهَا الخَوْفُ وَالتَّرَدُّدُ وَالقَلَقُ، كَمَا أمَرَهُمْ بِطَاعَةِ رَسُولِ اللهِ، وَالتِزَامِ أَوَامِرِهِ، إِنْجَاحًا لِلْخُطَّةِ العَامَّةِ لِلْجَيْشِ فِي المَعْرَكَةِ. ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِألاَّ يَتَنَازَعُوا، وَلاَ يَخْتَلِفُوا، لأنَّ فِي التَّنَازُعِ وَالاخْتِلاَفِ الفَشَلَ وَالخُذْلاَنَ وَضَيَاعَ مَا حَقَّقَهُ المُسْلِمُونَ فِي المَعْرَكَةِ {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} . ثُمَّ يُكَرِّرُ اللهُ تَعَالَى أَمْرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتِزَامِ الصَّبْرِ، لأنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.
وفي الظلال:
فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه؛ وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار. فإذا استسلم الناس للهورسوله انتفى السبب الأول الرئيسي للنزاع بينهم - مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة - فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر، إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها! وإنما هو وضع"الذات"في كفة، والحق في كفة؛ وترجيح الذات على الحق ابتداء!. . ومن ثم هذا التعليم بطاعة الله ورسوله عند المعركة. . إنه من عمليات"الضبط"التي لا بد منها في المعركة. . إنها طاعة القيادة العليا فيها، التي تنبثق منها طاعة الأمير الذي يقودها. وهي طاعة قلبية عميقة لا مجرد الطاعة التنظيمية في الجيوش التي لا تجاهد لله، ولا يقوم ولاؤها للقيادة على ولائها لله أصلًا. . والمسافة كبيرة كبيرة. . وأما الصبر. فهو الصفة التي لا بد منها لخوض المعركة. . أية معركة. . في ميدان النفس أم في ميدان القتال. (واصبروا، إن الله مع الصابرين) . . وهذه المعية من الله هي الضمان للصابرين بالفوز والغلب والفلاح. . في ظلال القرآن - (ج 3 / ص 416)