الْأَمِيرِ بِزَاوِيَةِ الْقَصْرِ أَنَا وَهُوَ وَبِهَا دُرٌّ فَسَمِعْته يَذْكُرُ لَهُ أَيُّوبٌ الْحَمَّالُ بِمِصْرِ وَالْمُوَلَّهِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ لَهُمْ صُورَةٌ مُعَظَّمَةٌ وَأَنَّ لَهُمْ فِيهِمْ ظَنًّا حَسَنًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ؛ فَإِنَّهُ ذُكِرَ لِي ذَلِكَ. وَكَانَ الْأَمِيرُ أَحَبَّ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا دُرَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ لِيَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ فَإِنَّهُ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ وَأَقْدَمِهِمْ وَأَعْظَمِهِمْ حُرْمَةً عِنْدِهِ وَقَدْ قَدِمَ الْآنَ وَهُوَ يُحِبُّ تَالِيفَهُ وَإِكْرَامَهُ فَأَمَرَ بِبِسَاطِ يُبْسَطُ فِي الْمَيْدَانِ. وَقَدْ قَدِمَ البطائحية وَهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ وَقَدْ أَظْهَرُوا أَحْوَالَهُمْ الشَّيْطَانِيَّةَ مِنْ الْإِزْبَادِ وَالْإِرْغَاءِ وَحَرَكَةِ الرُّءُوسِ وَالْأَعْضَاءِ وَالطَّفْرِ وَالْحَبْوِ وَالتَّقَلُّبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَصْوَاتِ الْمُنْكَرَاتِ وَالْحَرَكَاتِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْعَادَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِمَا أَمَرَ بِهِ لُقْمَانُ لِابْنِهِ فِي قَوْلِهِ {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ} . فَلَمَّا جَلَسْنَا وَقَدْ حَضَرَ خَلْقٌ عَظِيمٌ مِنْ الْأُمَرَاءِ وَالْكُتَّابِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَحَضَرَ شَيْخُهُمْ الْأَوَّلُ الْمُشْتَكِي وَشَيْخٌ آخَرُ يُسَمِّي نَفْسَهُ خَلِيفَةَ سَيِّدِهِ أَحْمَد وَيَرْكَبُ بِعَلَمَيْنِ وَهُمْ يُسَمُّونَهُ: عَبْدَ اللَّهِ الْكَذَّابَ وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ ذَلِكَ. وَكَانَ مِنْ مُدَّةٍ قَدْ قَدِمَ عَلَيَّ مِنْهُمْ شَيْخٌ بِصُورَةِ لَطِيفَةٍ وَأَظْهَرَ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ فَأَعْطَيْته طُلْبَتَهُ وَلَمْ أَتَفَطَّنْ لِكَذِبِهِ حَتَّى فَارَقَنِي فَبَقِيَ فِي نَفْسِي أَنَّ هَذَا خَفِيَ عَلَيَّ تَلْبِيسُهُ إلَى أَنْ غَابَ وَمَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَيَّ تَلْبِيسُ أَحَدٍ بَلْ أُدْرِكُهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَبَقِيَ ذَلِكَ فِي نَفْسِي وَلَمْ أَرَهُ قَطُّ إلَى حِينِ نَاظَرْته ذَكَرَ لِي أَنَّهُ ذَاكَ الَّذِي كَانَ اجْتَمَعَ بِي قَدِيمًا فَتَعَجَّبْت مِنْ حُسْنِ صُنْعِ اللَّهِ أَنَّهُ هَتَكَهُ فِي أَعْظَمِ مَشْهَدٍ يَكُونُ حَيْثُ كَتَمَ تَلْبِيسَهُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ. فَلَمَّا حَضَرُوا تَكَلَّمَ مِنْهُمْ شَيْخٌ يُقَالُ لَهُ حَاتِمٌ بِكَلَامِ مَضْمُونُهُ طَلَبُ الصُّلْحِ وَالْعَفْوِ عَنْ الْمَاضِي وَالتَّوْبَةُ وَإِنَّا مُجِيبُونَ إلَى مَا طَلَبَ مِنْ تَرْكِ هَذِهِ الْأَغْلَالِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْبِدَعِ وَمُتَّبِعُونَ لِلشَّرِيعَةِ. (فَقُلْت أَمَّا التَّوْبَةُ فَمَقْبُولَةٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} هَذِهِ إلَى جَنْبِ هَذِهِ. وَقَالَ تَعَالَى {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} . فَأَخَذَ شَيْخُهُمْ الْمُشْتَكِي يَنْتَصِرُ لِلُبْسِهِمْ الْأَطْوَاقَ وَذَكَرَ أَنَّ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ رَوَى أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ عَابِدٌ وَأَنَّهُ جَعَلَ فِي عُنُقِهِ طَوْقًا فِي حِكَايَةٍ مِنْ حِكَايَاتِ بَنِي إسْرَائِيلَ لَا تَثْبُتُ. فَقُلْت لَهُمْ: لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَعَبَّدَ فِي دِينِنَا بِشَيْءِ مِنْ الإسرائيليات الْمُخَالِفَةِ لِشَرْعِنَا قَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ {عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَرَقَةً مِنْ التَّوْرَاةِ فَقَالَ: أَمُتَهَوِّكُونَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا ثُمَّ اتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ} وَفِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُد {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ شَيْئًا مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ كَفَى بِقَوْمِ ضَلَالَةٌ أَنْ يَتَّبِعُوا كِتَابًا غَيْرَ كِتَابِهِمْ أُنْزِلَ إلَى نَبِيٍّ غَيْرِ نَبِيِّهِمْ} وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} فَنَحْنُ لَا يَجُوزُ لَنَا اتِّبَاعُ مُوسَى وَلَا عِيسَى فِيمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إذَا خَالَفَ شَرْعَنَا وَإِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نَتَّبِعَ مَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا وَنَتَّبِعَ الشِّرْعَةَ وَالْمِنْهَاجَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ إلَيْنَا رَسُولَنَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} . فَكَيْفَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَتَّبِعَ عُبَّادَ بَنِي إسْرَائِيلَ فِي حِكَايَةٍ لَا تُعْلَمُ صِحَّتُهَا وَمَا عَلَيْنَا مِنْ عُبَّادِ بَنِي إسْرَائِيلَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا