كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ هَاتِ مَا فِي الْقُرْآنِ وَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ كَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَذَكَرْت هَذَا وَشَبَهَهُ بِكَيْفِيَّةٍ قَوِيَّةٍ. فَقَالَ هَذَا الشَّيْخُ مِنْهُمْ يُخَاطِبُ الْأَمِيرَ: نَحْنُ نُرِيدُ أَنْ تَجْمَعَ لَنَا الْقُضَاةَ الْأَرْبَعَةَ وَالْفُقَهَاءَ وَنَحْنُ قَوْمٌ شَافِعِيَّةٌ.
فَقُلْت لَهُ هَذَا غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ وَلَا مَشْرُوعٌ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ كُلُّهُمْ يَنْهَى عَنْ التَّعَبُّدِ بِهِ وَيَعُدُّهُ بِدْعَةً وَهَذَا الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الزملكاني مُفْتِي الشَّافِعِيَّةِ وَدَعَوْته وَقُلْت: يَا كَمَالَ الدِّينِ مَا تَقُولُ فِي هَذَا؟ فَقَالَ هَذَا بِدْعَةٌ غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ بَلْ مَكْرُوهَةٌ أَوْ كَمَا قَالَ. وَكَانَ مَعَ بَعْضِ الْجَمَاعَةِ فَتْوَى فِيهَا خُطُوطُ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِذَلِكَ.
وَقُلْت لَيْسَ لِأَحَدِ الْخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا الْخُرُوجُ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشُكُّ هَلْ تَكَلَّمْت هُنَا فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ؛ فَإِنِّي تَكَلَّمْت بِكَلَامِ بَعْدَ عَهْدِي بِهِ. فَانْتَدَبَ ذَلِكَ الشَّيْخُ"عَبْدَ اللَّهِ"وَرَفَعَ صَوْتَهُ. وَقَالَ: نَحْنُ لَنَا أَحْوَالٌ وَأُمُورٌ بَاطِنَةٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا وَذَكَرَ كَلَامًا لَمْ أَضْبِطْ لَفْظَهُ: مِثْلَ الْمَجَالِسِ وَالْمَدَارِسِ وَالْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ؛ وَمَضْمُونُهُ أَنَّ لَنَا الْبَاطِنَ وَلِغَيْرِنَا الظَّاهِرَ وَأَنَّ لَنَا أَمْرًا لَا يَقِفُ عَلَيْهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ فَلَا يُنْكِرُونَهُ عَلَيْنَا (فَقُلْت لَهُ - وَرَفَعْت صَوْتِي وَغَضِبْت: الْبَاطِنُ وَالظَّاهِرُ وَالْمَجَالِسُ وَالْمَدَارِسُ وَالشَّرِيعَةُ وَالْحَقَائِقُ كُلُّ هَذَا مَرْدُودٌ إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ لِأَحَدِ الْخُرُوجُ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا مِنْ الْمَشَايِخِ وَالْفُقَرَاءِ وَلَا مِنْ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ وَلَا مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ؛ بَلْ جَمِيعُ الْخَلْقِ عَلَيْهِمْ طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَذَكَرْت هَذَا وَنَحْوَهُ. فَقَالَ - وَرَفَعَ صَوْتَهُ: نَحْنُ لَنَا الْأَحْوَالُ وَكَذَا وَكَذَا. وَادَّعَى الْأَحْوَالَ الْخَارِقَةَ كَالنَّارِ وَغَيْرِهَا وَاخْتِصَاصَهُمْ بِهَا وَأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ تَسْلِيمَ الْحَالِ إلَيْهِمْ لِأَجْلِهَا. فَقُلْت - وَرَفَعْت صَوْتِي وَغَضِبْت - أَنَا أُخَاطِبُ كُلَّ أَحْمَدِيٍّ مِنْ مَشْرِقِ الْأَرْضِ إلَى مَغْرِبِهَا أَيُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي النَّارِ فَأَنَا أَصْنَعُ مِثْلَ مَا تَصْنَعُونَ وَمَنْ احْتَرَقَ فَهُوَ مَغْلُوبٌ؛ وَرُبَّمَا قُلْت فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ؛ وَلَكِنْ بَعْدَ أَنْ نَغْسِلَ جُسُومَنَا بِالْخَلِّ وَالْمَاءِ الْحَارِّ؛ فَسَأَلَنِي الْأُمَرَاءُ وَالنَّاسُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْت: لِأَنَّ لَهُمْ حِيَلًا فِي الِاتِّصَالِ بِالنَّارِ يَصْنَعُونَهَا مِنْ أَشْيَاءَ: مِنْ دُهْنِ الضَّفَادِعِ. وَقِشْرِ النَّارِنْجِ. وَحَجَرِ الطَّلَقِ. فَضَجَّ النَّاسُ بِذَلِكَ فَأَخَذَ يُظْهِرُ الْقُدْرَةَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: أَنَا وَأَنْتَ نُلَفُّ فِي بَارِيَةٍ بَعْدَ أَنْ تُطْلَى جُسُومُنَا بِالْكِبْرِيتِ. (فَقُلْت فَقُمْ؛ وَأَخَذْت أُكَرِّرُ عَلَيْهِ فِي الْقِيَامِ إلَى ذَلِكَ فَمَدَّ يَدَهُ يُظْهِرُ خَلْعَ الْقَمِيصِ فَقُلْت: لَا حَتَّى تَغْتَسِلَ فِي الْمَاءِ الْحَارِّ وَالْخَلِّ فَأَظْهَرَ الْوَهْمَ عَلَى عَادَتِهِمْ فَقَالَ مَنْ كَانَ يُحِبُّ الْأَمِيرَ فَلْيُحْضِرْ خَشَبًا أَوْ قَالَ حُزْمَةً حَطَب. فَقُلْت هَذَا تَطْوِيلٌ وَتَفْرِيقٌ لِلْجَمْعِ؛ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودٌ؛ بَلْ قِنْدِيلٌ يُوقَدُ وَأُدْخِلُ إصْبَعِي وَإِصْبَعَك فِيهِ بَعْدَ الْغَسْلِ؛ وَمَنْ احْتَرَقَتْ إصْبَعُهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ؛ أَوْ قُلْت: فَهُوَ مَغْلُوبٌ. فَلَمَّا قُلْت ذَلِكَ تَغَيَّرَ وَذَلَّ. وَذُكِرَ لِي أَنَّ وَجْهَهُ اصْفَرَّ. ثُمَّ قُلْت لَهُمْ: وَمَعَ هَذَا فَلَوْ دَخَلْتُمْ النَّارَ وَخَرَجْتُمْ مِنْهَا سَالِمِينَ حَقِيقَةً وَلَوْ طِرْتُمْ فِي الْهَوَاءِ؛ وَمَشَيْتُمْ عَلَى الْمَاءِ؛ وَلَوْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا تَدَّعُونَهُ مِنْ مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ. وَلَا عَلَى إبْطَالِ الشَّرْعِ؛ فَإِنَّ الدَّجَّالَ الْأَكْبَرَ يَقُولُ لِلسَّمَاءِ