وَقَوْله تَعَالَى"كَمَا يَئِسَ الْكُفَّار مِنْ أَصْحَاب الْقُبُور"فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدهمَا كَمَا يَئِسَ الْكُفَّار الْأَحْيَاء مِنْ قَرَابَاتهمْ الَّذِينَ فِي الْقُبُور أَنْ يَجْتَمِعُوا بِهِمْ بَعْد ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ بَعْثًا وَلَا نُشُورًا فَقَدْ اِنْقَطَعَ رَجَاؤُهُمْ مِنْهُمْ فِيمَا يَعْتَقِدُونَهُ.
قَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ"إِلَى آخِر السُّورَة يَعْنِي مَنْ مَاتَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَقَدْ يَئِسَ الْأَحْيَاء مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِمْ أَوْ يَبْعَثهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ"كَمَا يَئِسَ الْكُفَّار مِنْ أَصْحَاب الْقُبُور"قَالَ الْكُفَّار الْأَحْيَاء قَدْ يَئِسُوا مِنْ الْأَمْوَات وَقَالَ قَتَادَة كَمَا يَئِسَ الْكُفَّار أَنْ يَرْجِع إِلَيْهِمْ أَصْحَاب الْقُبُور الَّذِينَ مَاتُوا وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاك رَوَاهُنَّ اِبْن جَرِير وَالْقَوْل الثَّانِي مَعْنَاهُ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّار الَّذِينَ هُمْ فِي الْقُبُور مِنْ كُلّ خَيْر قَالَ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوق عَنْ اِبْن مَسْعُود"كَمَا يَئِسَ الْكُفَّار مِنْ أَصْحَاب الْقُبُور"قَالَ كَمَا يَئِسَ هَذَا الْكَافِر إِذَا مَاتَ وَعَايَنَ ثَوَابه وَاطَّلَعَ عَلَيْهِ وَهَذَا قَوْل مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَمُقَاتِل وَابْن زَيْد وَالْكَلْبِيّ وَمَنْصُور وَهُوَ اِخْتِيَار اِبْن جَرِير رَحِمَهُ اللَّه. تفسير ابن كثير - (ج 17 / ص 142)
وقد وردت بعض الروايات بأن المقصود بالقوم الذين غضب الله عليهم هم اليهود، استنادا إلى دمغهم بهذه الصفة في مواضع أخرى من القرآن. ولكن هذا لا يمنع من عموم النص ليشمل اليهود والمشركين الذين ورد ذكرهم في السورة، وكل أعداء الله. وكلهم غضب عليه الله. وكلهم يائس من الآخرة، لا يعلق بها رجاء، ولا يحسب لها حسابا كيأس الكفار من الموتى - أصحاب القبور - لاعتقادهم أن أمرهم انتهى، وما عاد لهم من بعث ولا حساب. وهو هتاف يتجمع من كل إيقاعات السورة واتجاهاتها. فتختم به كما بدأت بمثله. ليكون هو الإيقاع الأخير. الذي تترك السورة أصداءه في القلوب. . في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 473)
وفي سنن أبى داود (2647) عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمٍ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ فَأَسْرَعَ فِيهِمُ الْقَتْلُ - قَالَ - فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ وَقَالَ «أَنَا بَرِئٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ قَالَ «لاَ تَرَاءَى نَارَاهُمَا» . (صحيح
(( قلت: مع أن هؤلاء لم يقاتلوا المسلمين ولم يدلُّوا عليهم، بل مجرد وجودهم بين أظهر المشركين فقط ) )
وقال الجصاص: بَابُ الْمُسْلِمِ يُقِيمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيُقْتَلُ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إلَيْنَا