فهرس الكتاب

الصفحة 487 من 1257

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} رَوَى إسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} قَالَ:"يَكُونُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَقَوْمُهُ كُفَّارًا فَلَا دِيَةَ لَهُ وَلَكِنْ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الَّذِي يُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيُقْتَلُ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إلَيْنَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ فِي الْمُؤْمِنِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا قُتِلَ وَلَهُ أَقَارِبُ كُفَّارٌ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ عَلَى قَاتِلِهِ الدِّيَةَ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَأَنَّ كَوْنَ أَقْرِبَائِهِ كُفَّارًا لَا يُوجِبُ سُقُوطَ دِيَتِهِ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْأَمْوَاتِ حَيْثُ لَا يَرِثُونَهُ. وَرَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ} الْآيَةَ، قَالَ:"كَانَ الرَّجُلُ يَاتِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَيُسْلِمَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ فَيَكُونُ فِيهِمْ فَيُصِيبُهُ الْمُسْلِمُونَ خَطَأً فِي سَرِيَّةٍ أَوْ غُزَاةٍ، فَيَعْتِقُ الَّذِي يُصِيبُهُ رَقَبَةً". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ تَسْقُطْ دِيَتُهُ بِرُجُوعِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ كَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْقَرَابَةِ لَا تَاثِيرَ لَهُ فِي إسْقَاطِ قِيمَةِ دَمِهِ، كَسَائِرِ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، عَلَى الْقَاتِلِ الدِّيَةُ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عِيَاضٍ مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ:"هُوَ الْمُسْلِمُ يَكُونُ فِي الْمُشْرِكِينَ فَيَقْتُلُهُ الْمُؤْمِنُ وَلَا يَدْرِي فَفِيهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ وَلَيْسَ فِيهِ دِيَةٌ". وَهَذَا عَلَى أَنْ يُقْتَلَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. وَرَوَى مُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ} قَالَ:"هُوَ الْمُؤْمِنُ يُقْتَلُ وَقَوْمُهُ مُشْرِكُونَ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَهْدٌ، فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ عليه السلام عَهْدٌ أَدَّى دِيَتَهُ إلَى قَرَابَتِهِ الَّذِينَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ عليه السلام عَهْدٌ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ أَقْرِبَاءَهُ لَا يَرِثُونَهُ لِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ وَهُوَ مُسْلِمٌ فَكَيْفَ يَاخُذُونَ دِيَتَهُ وَإِنْ كَانَ قَوْمُهُ أَهْلَ حَرْبٍ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَالدِّيَةُ وَاجِبَةٌ لِبَيْتِ الْمَالِ كَمُسْلِمٍ قُتِلَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا وَارِثَ لَهُ. وَقَدْ اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِيمَنْ قُتِلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ وَمُحَمَّدٌ فِي الْحَرْبِيِّ يُسَلَّمُ. فَيَقْتُلُهُ مُسْلِمٌ مُسْتَامَنٌ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَإِ، وَإِنْ كَانَا مُسْتَامَنَيْنِ دَخَلَا دَارَ الْحَرْبِ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ وَالْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَإِ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَا أَسِيرَيْنِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ إلَّا الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَإِ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ:"عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ". وَرَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَقْتُلَهُ رِجْلٌ مُسْلِمٌ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْنَا أَنَّ عَلَيْهِ الدِّيَةُ اسْتِحْسَانًا، وَلَوْ وَقَعَ فِي بِئْرٍ حَفَرَهَا أَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ مِيزَابٌ عَمِلَهُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا. وَهَذَا خِلَافُ الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِهِ وَخِلَافُ الْقِيَاسِ أَيْضًا. وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقُتِلَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْنَا فَعَلَى قَاتِلِهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ إنْ كَانَ خَطَأً قَالَ: وقوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} إنَّمَا كَانَ فِي صُلْحِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَهْلَ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ لَمْ يُورَثْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْهِجْرَةِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} فَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ وَرَثَةٌ يَسْتَحِقُّونَ مِيرَاثَهُ، فَلَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ؛ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت