وَإِنْ كَانَ فِيهِ جَفَاءٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ {إنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} . وَقَالَ تَعَالَى {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْجَفَاءِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم الْكُفْرُ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَبِكُفْرِهِ يَحِلُّ دَمُهُ، وَالذِّمِّيُّ كَافِرٌ، وَلَمْ يَقُلْ: إنَّهُ لِجَفَائِهِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم يَكُونُ كَافِرًا بِجَفَائِهِ، بَلْ كَانَ كَافِرًا، وَهُوَ كَافِرٌ، وَلَا يَحِلُّ دَمُهُ بِكُفْرِهِ، إذَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ، لَكِنْ بِمَعْنًى آخَرَ غَيْرَ الْكُفْرِ. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ الزُّرَقِيِّ الْيَهُودِيِّ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، وَفِي سَمِّ الْيَهُودِيَّةِ لِطَعَامِهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَلَا فَرْقَ، إنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ الْكُفْرُ لِمَنْ فَعَلَهُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَالذِّمِّيُّونَ كُفَّارٌ قَبْلَ ذَلِكَ، وَمَعَهُ، وَلَيْسَ بِنَفْسِ كُفْرِهِمْ حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ فِي ذَلِكَ إذَا تَذَمَّمُوا، فَالْمُسْلِمُ يُقْتَلُ بِكُفْرِهِ إذَا أَحْدَثَ كُفْرًا بَعْدَ إسْلَامِهِ، وَالذِّمِّيُّ لَا يُقْتَلُ، وَإِنْ أَحْدَثَ فِي كُلِّ حِينٍ كُفْرًا حَادِثًا غَيْرَ كُفْرِهِ بِالْأَمْسِ، إذَا كَانَ مِنْ نَوْعِ الْكُفْرِ الَّذِي تَذَمَّمَ عَلَيْهِ - فَنَظَرْنَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي وَجَبَ بِهِ الْقَتْلُ عَلَى الذِّمِّيِّ إذَا سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ رَسُولَهُ صلى الله عليه وآله وسلم أَوْ اسْتَخَفَّ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ - فَوَجَدْنَاهُ إنَّمَا هُوَ نَقْضُهُ الذِّمَّةَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَذَمَّمَ، وَحَقَنَ دَمَهُ بِالْجِزْيَةِ عَلَى الصِّغَارِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} الْآيَةَ إلَى قَوْلِهِ: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} وَقَالَ تَعَالَى {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} . فَكَانَ هَاتَانِ الْآيَتَانِ نَصًّا جَلِيًّا لَا يَحْتَمِلُ تَاوِيلًا فِي بَيَانِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يُقَاتَلُونَ وَيُقْتَلُونَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، وَعَلَى أَنَّهُمْ إذَا عُوهِدُوا وَتَمَّ عَهْدُهُمْ، وَطَعَنُوا فِي دِينِنَا فَقَدْ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ، وَنَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ، وَعَادَ حُكْمُ قِتَالِهِمْ كَمَا كَانَ. وَبِضَرُورَةِ الْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ نَدْرِي أَنَّهُمْ إنْ أَعْلَنُوا سَبَّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ سَبَّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَوْ شَيْءٍ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، أَوْ مُسْلِمٍ مِنْ عَرَضِ النَّاسِ، فَقَدْ فَارَقُوا الصَّغَارَ، بَلْ قَدْ أَصْغَرُونَا، وَأَذَلُّونَا، وَطَعَنُوا فِي دِينِنَا، فَنَكَثُوا بِذَلِكَ عَهْدَهُمْ، وَنَقَضُوا ذِمَّتَهُمْ - وَإِذَا نَقَضُوا ذِمَّتَهُمْ فَقَدْ حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ، وَسَبْيُهُمْ، وَأَمْوَالُهُمْ بِلَا شَكٍّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَسَمُّ الْيَهُودِيَّةِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ بِلَا شَكٍّ وَهُوَ قَبْلَ نُزُولِ"بَرَاءَةٌ"بِثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ. وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي قَوْلِ أُولَئِكَ الْيَهُودِ: السَّامُ عَلَيْك لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَفِي سِحْرِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ إيَّاهُ وَأَنَّ هَذَا كُلَّهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِأَنْ لَا يُثَبِّتَ عَهْدَ الذِّمِّيِّ إلَّا عَلَى الصِّغَارِ، وَأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ إذْ كَانَتْ الْمُهَادَنَةُ جَائِزَةً لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي حَدِيثِ"السَّامِ، وَالسِّحْرِ"هُوَ مَعْنَى حَدِيثِ سَمِّ الشَّاةِ سَوَاءً سَوَاءً، وَحَدِيثُ سَمِّ الشَّاةِ مَنْسُوخٌ بِلَا شَكٍّ بِمَا فِي"سُورَةِ بَرَاءَةَ"مِنْ أَنْ لَا يُقَرُّوا إلَّا عَلَى الصِّغَارِ فَحَدِيثُ"السَّامِ، وَالسِّحْرِ"بِلَا شَكٍّ مَنْسُوخَانِ، بَلْ الْيَقِينُ قَدْ صَحَّ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا مَنْسُوخٌ وَلَا يَحِلُّ الْعَمَلُ بِالْمَنْسُوخِ، وَلَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَكُونَا بَعْدَ نُزُولِ"بَرَاءَةٌ"؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَنْسَخَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا بِيَقِينٍ، ثُمَّ يَنْسَخَ النَّاسِخَ وَيُعِيدَ حُكْمَ الْمَنْسُوخِ وَلَا يَصْحَبَهُ مِنْ الْبَيَانِ مَا يَرْفَعُ الشَّكَّ، وَيَرْفَعُ الظَّنَّ، وَيُبْطِلُ الْإِشْكَالَ - هَذَا أَمْرٌ قَدْ أَمِنَّاهُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ تَقُولُونَ هَذَا وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ مَنْ سَمَّ الْيَوْمَ طَعَامًا لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا قَتْلَ عَلَيْهِ وَإِنَّ مَنْ سَحَرَ مُسْلِمًا فَلَا قَتْلَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْيَهُودَ يَقُولُونَ لَنَا الْيَوْمَ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، وَلَا قَتْلَ عَلَيْهِمْ فَمَا نَرَاكُمْ تَحْكُمُونَ إلَّا بِمَا ذَكَرْتُمْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ؟ فَجَوَابُنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - أَنَّنَا لَمْ نَقُلْ إنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ نُسِخَ