ز - إتْلَافُ الْأَمْوَالِ:
35 -إذَا اسْتَعَدَّ الْكُفَّارُ أَوْ تَحَصَّنُوا لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّنَا نَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ وَنُحَارِبُهُمْ لِنَظْفَرَ بِهِمْ، وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى إتْلَافِ أَمْوَالِهِمْ، إلَّا إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ الظَّفَرُ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ إتْلَافٍ لِأَمْوَالِهِمْ فَيُكْرَهُ فِعْلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إفْسَادٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَاجَةِ، وَمَا أُبِيحَ إلَّا لَهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ كَسْرُ شَوْكَتِهِمْ، وَإِلْحَاقُ الْغَيْظِ بِهِمْ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ ذَلِكَ بِدُونِ إتْلَافٍ، وَأَنَّهُ يَصِيرُ لَنَا لَا نُتْلِفُهُ. وَأَمَّا قَطْعُ شَجَرِهِمْ وَزَرْعِهِمْ، فَإِنَّ الشَّجَرَ وَالزَّرْعَ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدَهَا: مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى إتْلَافِهِ كَاَلَّذِي يَقْرُبُ مِنْ حُصُونِهِمْ وَيَمْنَعُ مِنْ قِتَالِهِمْ، أَوْ يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يَحْتَاجُ إلَى قَطْعِهِ لِتَوْسِعَةِ طَرِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ يَكُونُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنَا فَيُفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ؛ لِيَنْتَهُوا، فَهَذَا يَجُوزُ بِغَيْرِ خِلَافٍ. الثَّانِيَ: مَا يَتَضَرَّرُ الْمُسْلِمُونَ بِقَطْعِهِ لِكَوْنِهِمْ يَنْتَفِعُونَ بِبَقَائِهِ لِعَلُوفَتِهِمْ، أَوْ يَسْتَظِلُّونَ بِهِ، أَوْ يَاكُلُونَ مِنْ ثَمَرِهِ، فَهَذَا يَحْرُمُ قَطْعُهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ. الثَّالِثَ: مَا عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَلَا نَفْعَ سِوَى غَيْظِ الْكُفَّارِ وَالْإِضْرَارِ بِهِمْ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَرَقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ} ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} . وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ. لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنِ أَخِيهِ مِنْ غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَقَالَ: لَعَلَّك حَرَقْت حَرْثًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَعَلَّك غَرَّقْت نَخْلًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَعَلَّك قَتَلْت صَبِيًّا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لِتَكُنْ غَزْوَتُك كَفَافًا. وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ إتْلَافًا مَحْضًا، فَلَمْ يَجُزْ كَعَقْرِ الْحَيَوَانِ، وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَأَمَّا الْحَيَوَانَاتُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهَا حَالَةَ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ قَتْلَ بَهَائِمِهِمْ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى قَتْلِهِمْ وَهَزِيمَتِهِمْ، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْأَرْجَحَ وُجُوبُ حَرْقِ الْحَيَوَانَاتِ بَعْدَ قَتْلِهَا إنْ اسْتَحَلُّوا أَكْلَ الْمَيْتَةِ فِي دِينِهِمْ، وَقِيلَ: إنْ كَانُوا يَرْجِعُونَ إلَيْهَا قَبْلَ فَسَادِهَا، وَجَبَ التَّحْرِيقُ، وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عَدَمُ انْتِفَاعِهِمْ بِهِ وَقَدْ حَصَلَ. وَأَمَّا فِي غَيْرِ حَالَةِ الْحَرْبِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ عَقْرُ دَوَابِّهِمْ، لِأَنَّ فِيهِ غَيْظًا لَهُمْ وَإِضْعَافًا لِقُوَّتِهِمْ، فَأَشْبَهَ قَتْلَهَا حَالَ قِتَالِهِمْ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ مُطْلَقًا، لِنَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ صَبْرًا، وَلِقَوْلِ الصِّدِّيقِ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ يُوصِيهِ: وَلَا تَعْقِرَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلَا دَابَّةً عَجْمَاءَ وَلَا شَاةً إلَّا لِمَاكَلَةٍ. وَلِأَنَّهُ إفْسَادٌ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا، وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} . وَيَجُوزُ عَقْرُ الْحَيَوَانَاتِ لِلْأَكْلِ إنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ تُبِيحُ مَالَ الْمَعْصُومِ، فَمَالُ الْكَافِرِ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إلَيْهِ نَظَرْنَا: فَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ لَا يُرَادُ إلَّا لِلْأَكْلِ كَالدَّجَاجِ، وَالْحَمَامِ، وَسَائِرِ الطَّيْرِ، وَالصَّيْدِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الطَّعَامِ، لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ لِغَيْرِ الْأَكْلِ، وَتَقِلُّ قِيمَتُهُ، فَأَشْبَهَ الطَّعَامَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْقِتَالِ لَمْ يُبَحْ ذَبْحُهُ إلَّا لِلْأَكْلِ. 36 - وَفِي تَغْرِيقِ النَّحْلِ وَتَحْرِيقِهِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَقْوَالٍ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ، إلَى أَنَّهُ