فهرس الكتاب

الصفحة 766 من 1257

الْمَذْهَبَيْنِ، يَعْنِي مَذْهَبَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ تَرَدُّدٌ فِي قَتْلِ الذَّكَرِ بِالْأُنْثَى انْتَهَى. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مَنْ أَدْرَكْتُهُ مِنْ فُقَهَائِنَا الَّذِينَ يُنْتَهَى إلَى قَوْلِهِمْ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةُ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ فِي مَشْيَخَةٍ جُلَّةٍ مِنْ سِوَاهُمْ مِنْ نُظَرَائِهِمْ أَهْلُ فِقْهٍ وَفَضْلٍ، أَنَّ الْمَرْأَةَ تُقَادُ مِنْ الرَّجُلِ عَيْنًا بِعَيْنٍ وَأُذُنًا بِأُذُنٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْجِرَاحِ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ قَتَلَهَا قُتِلَ بِهَا. وَرَوَيْنَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِ وَعَنْ النَّخَعِيّ وَالشَّعْبِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَوَيْنَا عَنْ الشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ خِلَافَهُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ. وَاخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ هَلْ يَتَوَفَّى وَرَثَةُ الرَّجُلِ مِنْ وَرَثَةِ الْمَرْأَةِ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ الْهَادِي وَالْقَاسِمُ وَالنَّاصِرُ وَأَبُو الْعَبَّاسِ وَأَبُو طَالِبٍ إلَى أَنَّهُمْ يَتَوَفَّوْنَ نِصْفَ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَحَكَاهُ أَيْضًا السَّعْدُ فِي حَاشِيَةِ الْكَشَّافِ عَنْ مَالِكٍ. وَذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَالْإِمَامُ يَحْيَى إلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ وَلَا تَوْفِيَةَ. وَقَدْ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِثُبُوتِ الْقِصَاصِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} . وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمْنَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ حِكَايَةٌ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} أَيْ فِي التَّوْرَاةِ. وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ بِأَنَّهَا وَارِدَةٌ لِحِكَايَةِ مَا كُتِبَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى أَهْلِهَا، فَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ مُفَسَّرَةً أَوْ مُقَيَّدَةً أَوْ مُخَصَّصَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْمُوَافَقَةِ ذُكُورَةً وَأُنُوثَةً وَحُرِّيَّةً. وَقَدْ أَجَابَ السَّعْدُ عَنْ هَذَا فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْكَشَّافِ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَفْهُومِ إنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَظْهَرَ لِلْقَيْدِ فَائِدَةٌ، وَهَهُنَا الْفَائِدَةُ أَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا نَزَلَتْ لِذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ لَزِمَ أَنْ لَا تُقْتَلَ الْأُنْثَى بِالذَّكَرِ نَظَرًا إلَى مَفْهُومِ الْأُنْثَى، قَالَ: وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَيْضًا وَيُدْفَعُ بِأَنَّهُ يُعْلَمُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْمَفْهُومِ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْطُوقِ الدَّالِّ عَلَى قَتْلِ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ كَيْفَمَا كَانَتْ. لَا يُقَالُ: تِلْكَ حِكَايَةٌ عَمَّا فِي التَّوْرَاةِ لَا بَيَانٌ لِلْحُكْمِ فِي شَرِيعَتِنَا. لِأَنَّا نَقُولُ: شَرَائِعُ مَنْ قَبْلَنَا لَا سِيَّمَا إذَا ذُكِرَتْ فِي كِتَابِنَا حُجَّةٌ، وَكَمْ مِثْلُهَا فِي أَدِلَّةِ أَحْكَامِنَا حَتَّى يَظْهَرَ النَّاسِخُ، وَمَا ذُكِرَ هُنَا يَعْنِي فِي الْبَقَرَةِ يَصْلُحُ مُفَسِّرًا فَلَا يُجْعَل نَاسِخًا، وَأَمَّا أَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ يَعْنِي آيَةَ الْمَائِدَةِ لَيْسَتْ نَاسِخَةً لِهَذِهِ فَلِأَنَّهَا مُفَسَّرَةٌ بِهَا فَلَا تَكُونُ هِيَ مَنْسُوخَةً بِهَا. وَدَلِيلٌ آخَرُ عَلَى عَدَمِ النَّسْخِ أَنَّ تِلْكَ، أَعْنِي النَّفْسَ بِالنَّفْسِ حِكَايَةٌ لِمَا فِي التَّوْرَاةِ، وَهَذِهِ أَعْنِي {الْحُرُّ بِالْحُرِّ} . . . إلَخْ، خِطَابٌ لَنَا وَحُكْمٌ عَلَيْنَا فَلَا تَرْفَعُهَا تِلْكَ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ يَعْنِي الزَّمَخْشَرِيّ بِقَوْلِهِ: وَلِأَنَّ تِلْكَ عَطْفًا عَلَى مَضْمُونِ قَوْلِهِ، وَيَقُولُونَ: هِيَ مُفَسِّرَةٌ، لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْمَحْكِيَّ فِي كِتَابِنَا مِنْ شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَنَا بِمَنْزِلَةِ الْمَنْصُوصِ الْمُقَرَّرِ فَيَصْلُحُ نَاسِخًا، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ كَوْنِهِ مُفَسَّرًا إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ كَانَ قَوْلُنَا النَّفْسُ بِالنَّفْسِ مُبْهَمًا وَلَا إبْهَامَ بَلْ هُوَ عَامٌّ، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى بَعْضِ الْأَفْرَادِ لَا يَدْفَعُ الْعُمُومَ سِيَّمَا وَالْخَصْمُ يَدَّعِي تَأَخُّرَ الْعَامِّ حَيْثُ يَجْعَلهُ نَاسِخًا، لَكِنْ يَرُدّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ رَفْعُ شَيْءٍ مِنْ الْحُكْمِ السَّابِقِ بَلْ إثْبَاتُ زِيَادَةِ حُكْمٍ آخَرَ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ فِي قَوْلِهِ: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ} الْآيَةُ، دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ اعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت