فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 1257

كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة. ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له. حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود. فتعاهدوا على ذلك. . ثم تفرقوا. . فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ? قال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به. ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه في بيته، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد ? قال: ماذا سمعت ? قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف. . أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه ? والله لا نؤمن به أبدا ولانصدقه! قال: فقام عنه الأخنس وتركه. .

وروى ابن جرير - من طريق أسباط عن السدي - في قوله: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) . . لما كان يوم بدر، قال الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة إن محمدا ابن أختكم، فأنتم أحق من ذب عن ابن أخته، فإن كان نبيا لم تقاتلوه اليوم، وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته. قفوا حتى ألقى أبا الحكم، فإن غلب محمد رجعتم سالمين، وإن غلب محمد فإن قومكم لن يصنعوا بكم شيئا - فيومئذ سمي الأخنس وكان اسمه أبي - فالتقى الأخنس بأبي جهل، فخلا به، فقال: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد: أصادق هو أم كاذب ? فإنه ليس ها هنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا! فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش ? فذلك قوله: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) . .

ونلاحظ: أن السورة مكية، وهذه الآية مكية لا شك في ذلك؛ بينما الحادثة المذكورة كانت في المدينة يوم بدر. . ولكن إذا عرفنا أنهم كانوا يقولون أحيانا عن آية ما:"فذلك قوله: كذا. ."ويقرنون إليها حادثا ما لا للنص على أنها نزلت بسبب الحادث الذي يذكرونه؛ ولكن بسبب انطباق مدلولها على الحادث، بغض النظر عما إذا كان سابقا أو لاحقا. . فإننا لا نستغرب هذه الرواية. .

وقال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة - وكان سيدا - قال يوما وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله أن يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا ? - وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون - فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه. فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي. . إنك منا حيث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت