فهرس الكتاب

الصفحة 858 من 1257

قال تعالى: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء:104)

يَامُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِالجِدِّ فِي قِتَالِ الأَعْدَاءِ، وَفِي طَلَبِهِمْ وَيُنَبِّهُهُمْ إلى أَنَّهُمْ إنْ كَانَتْ تُصِيبُهُمْ جِرَاحٌ، وَيَالَمُونَ مِنْهَا، فَإِنَّ أَعْدَاءَهُمْ تُصِيبُهُمْ أَيْضًا جِرَاحٌ، وَيَالَمُونَ مِنْهَا. وَالفَارِقُ الوَحِيدُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وَالكَافِرِ أنَّ المُؤْمِنَ يَنْتَظِرُ مِنَ اللهِ المَثُوبَةَ وَالأَجْرَ، وَالنَّصْرَ وَالتَّأيِيدَ، وَإِعْلاَءَ كَلِمَةِ اللهِ، التِي وَعَدَهُ اللهُ بِهَا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ، فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ، وَالكَافِرِ لا يَنْتَظِرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ فِيمَا يَفْرِضُهُ وَيُقَدِّرُهُ ..

إنهن كلمات معدودات. يضعن الخطوط الحاسمة، ويكشفن عن الشقة البعيدة، بين جبهتي الصراع. .

إن المؤمنين يحتملون الألم والقرح في المعركة. . ولكنهم ليسوا وحدهم الذين يحتملونه. . إن أعداءهم كذلك يتألمون وينالهم القرح واللأواء. . ولكن شتان بين هؤلاء وهؤلاء. . إن المؤمنين يتوجهون إلى الله بجهادهم، ويرتقبون عنده جزاءهم. . فأما الكفار فهم ضائعون مضيعون، لا يتجهون لله، ولا يرتقبون عنده شيئًا في الحياة ولا بعد الحياة. .

فإذا أصر الكفار على المعركة، فما أجدر المؤمنين أن يكونوا هم أشد إصرارًا، وإذا احتمل الكفار آلامها، فما أجدر المؤمنين بالصبر على ما ينالهم من آلام. وما أجدرهم كذلك أن لا يكفوا عن ابتغاء القوم ومتابعتهم بالقتال، وتعقب آثارهم، حتى لا تبقى لهم قوة، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.

وإن هذا لهو فضل العقيدة في الله في كل كفاح.

فهناك اللحظات التي تعلو فيها المشقة على الطاقة، ويربو الألم على الاحتمال. ويحتاج القلب البشري إلى مدد فائض وإلى زاد. هنالك يأتي المدد من هذا المعين، ويأتي الزاد من ذلك الكنف الرحيم.

ولقد كان هذا التوجيه في معركة مكشوفة متكافئة. معركة يألم فيها المتقاتلون من الفريقين. لأن كلا الفريقين يحمل سلاحه ويقاتل.

ولربما أتت على العصبة المؤمنة فترة لا تكون فيها في معركة مكشوفة متكافئة. . ولكن القاعدة لا تتغير. فالباطل لا يكون بعافية أبدًا، حتى ولو كان غالبًا! إنه يلاقي الآلام من داخله. من تناقضه الداخلي؛ ومن صراع بعضه مع بعض. ومن صراعه هو مع فطرة الأشياء وطبائع الأشياء. وسبيل العصبة المؤمنة حينئذ أن تحتمل ولا تنهار. وأن تعلم أنها إن كانت تألم، فإن عدوها كذلك يألم. والألم أنواع. والقرح ألوان. . {وترجون من الله ما لا يرجون} . . وهذا هو العزاء العميق. وهذا هو مفرق الطريق. . {وكان الله عليمًا حكيمًا} . .يعلم كيف تعتلج المشاعر في القلوب. ويصف للنفس ما يطب لها من الألم والقرح. .

وقد تكلم الإمام الرازى عن الحكمة في مداولة الأيام بين الناس فقال ما ملخصه: واعمل أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله - تعالى - ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين، وذلك لأن نصرة الله منصب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت