فهرس الكتاب

الصفحة 859 من 1257

شريف، وإعزاز عظيم فلا يليق بالكافر، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه:

الأول: إنه - سبحانه - لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات. لحصل العلم الاضطرارى بأن الإيمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب، فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الإيمان وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية، والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام فيعظم ثوابه عند الله.

والثانى: أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصى، فيكون تشديد المحنة عليه في الدنيا أدبًا، وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبًا من الله عليه"."

ووجه آخر وهو شحذ عزائم المؤمنين في اتخاذ وسائل النصر فلا يركنوا إلى إيمانهم ويتركوا العمل بالأسباب. ثم كشفت السورة الكريمة عن جوانب من حكمة الله فيما وقع من أحداث في غزوة أحد، وفيما وراء مداولة الأيام بين الناس فقال - تعالى - {وَلِيَعْلَمَ الله الذين آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} .

أى فعلنا ما فعلنا في أحد، واقتضت حكمتنا أن نداول الأيام بينكم وبين عدوكم، ليظهر أمركم - أيها المؤمنون -، وليتميز قوى الإيمانى من ضعيفه. فمعنى علم الله هو تحقيق ما قدره في الأزل فيعلمه الناس، ويعلمه الله - تعالى - واقعا حاضرا، وذلك لأن العلم الغيبيى لا يتربت عليه ثواب ولا عقاب، وإنما يترتبان على المعلوم إذا صار مشاهدًا واقعًا في الحس. قال صاحب الكشاف: وقوله {وَلِيَعْلَمَ الله الذين آمَنُوا} فيه وجهان: أحدهما: أن يكون المعلل محذوفا والمعنى: وليتميز الثابتون على الإيمان منكم من الذين على حرف فعلنا ذلك. وهو من باب التمثيل. بمعنى: فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان منكم من غير الثابت، وإلا فالله - عز وجل - لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها.

والثاني: أنه تكون العلة محذوفة، وهذا عطف عليه والمعنى: وفعلنا ذلك ليكون كيت وليعلم الله. وإنما حذف للإيذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة، ليسليهم عما جرى عليهم، وليبصرهم بأن العبد يسوؤه ما يجرى عليه من المصائب، ولا يشعر أن لله في ذلك من المصالح ما هو غافل عنه"."

وقوله {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} بيان لحكمة أخرى لما أصاب المسلمين يوم أحد.

أى: وليكرم ناسا منكم بالشهادة ليكونوا مثالا لغيرهم في التضحية بالنفس من أجل إعلاء كلمة الله، والدفاع عن الحق. وهو - سبحانه - يحب الشهداء من عباده، ويرفعهم إلى أعلا الدرجات، وأسمى المنازل. قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى - {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} أي يكرمكم بالشهادة، أي ليقتل قوم منكم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم. وقيل: لهذا قيل شهيد.

وقيل: سمى شهيدًا لأنه مشهود له بالجنة. وقيل: سمى شهيدا، لأن أرواحهم احتضرت دار السلام لأنهم أحياء عند ربهم، فالشهيد بمعنى الشاهد أى الحاضر للجنة. والشهادة فضلها عظيم ويكفيك فى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت