فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 346

وَالْحُدُودِ فِي شَيْءٍ، لَيْسَ يَجِبُ مِثْلُ هَذَا عَلَى جَانٍ بِجِنَايَةٍ صَغِيرَةٍ وَلَا كَبِيرَةٍ. مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَتَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ قَوَدٌ أَوْ حَدٌّ أَوْ تَعْزِيرٌ أُقِيمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ مَنْ جَرَحَ مِنْهُمْ جِرَاحَةً فِي مِثْلِهَا قِصَاصٌ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ، قِيسَ جُرْحُهُ وَاقْتُصَّ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُسْتَطَاعُ فِي مِثْلِهَا قِصَاصٌ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْأَرْشِ⁽١⁾، وَعُوقِبَ وَأُطِيلَ حَبْسُهُ حَتَّى يُحْدِثَ تَوْبَةً ثُمَّ يُخَلَّى عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ سَرَقَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ قُطِعَ. إِنَّ الْأَجْرَ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَظِيمٌ، وَالصَّلَاحَ فِيهِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ كَثِيرٌ. ٣١٥ - قَالَ أَبُو يُوسُفَ: ( سَمِعْتُ بَعْضَ أَشْيَاخِنَا ) ⁽٢⁾، عَنْ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا ثَلَاثِينَ صَبَاحًا »⁽٣⁾. وَلَا يَحِلُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُحَابِيَ فِي الْحَدِّ أَحَدًا، وَلَا يُزِيلَهُ عَنْهُ بِشَفَاعَةٍ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخَافَ فِي ذَلِكَ لَوْمَةَ لَائِمٍ؛ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَدٌّ فِيهِ شُبْهَةٌ؛ فَإِذَا كَانَ فِي الْحَدِّ شُبْهَةٌ دَرَأَهُ لِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ، وَقَوْلِهِمْ: « ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَالْخَطَأُ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنَ الْخَطَأِ فِي الْعُقُوبَةِ »⁽٤⁾، وَلَا تَحِلُّ إِقَامَةُ حَدٍّ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَوْجِبْهُ، ( كَمَا لَا يَحِلُّ إِبْطَالُهُ عَمَّنِ اسْتَوْجَبَهُ ) ⁽٥⁾ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ فِيهِ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَشْفَعَ إِلَى إِمَامٍ ( فِي حَدٍّ قَدْ وَجَبَ ) ⁽٦⁾ وَتَبَيَّنَ؛ فَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ ذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي التَّوَقِّي لِلشَّفَاعَةِ فِيهِ بَعْدَ رَفْعِهِ إِلَى الْإِمَامِ فِيمَا عَلِمْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

--------------------

(١) الأرش: دية الجنايات.

(٢) كذا في (أ) . وفي صلب (ب) : «حدثني بعض أشياخنا» . وفي (ز، ط) . وهامش (ب) عن نسخة مكانه: «حدثني الحسين بن عمارة».

(٣) أخرجه النسائي في كتاب قطع السارق، باب الترغيب في إقامة الحد (٨ / ٧٥، ٧٦) . وابن ماجه في كتاب الحدود، باب إقامة الحدود (ص ٨٤٨) . والإمام أحمد في مسنده (٢ / ٢٦٣، ٤٠٢) .

(٤) رواه أبو يوسف في الرد على سير الأوزاعي (ص ٥٠) ، عن أبي حنيفة، بإسناده إلى عمر بن الخطاب أنه قال: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة، فإذا وجدتم لمسلم مخرجًا فادرؤوا عنه الحد». قال أبو يوسف: «قال أبو حنيفة: وبلغنا نحو من ذلك عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». هذا وانظر: تحفة الأحوذي، أبواب الحدود، باب ما جاء في درء الحد (٤ / ١٨٨) .

(٥) ما بين القوسين سقط من (ط) . (٦) في (أ) : «في حد قذف قد وجب» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت