وَافِرِينَ، فَإِنِّي وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الْأَحْمَرَ وَالْأَسْوَدَ⁽١⁾ حَتَّى يَمْضِيَ أَمْرُ اللَّهِ أَوْ تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي⁽٢⁾» .
فَلَمَّا سَمِعَ عُرْوَةُ مَقَالَتَهُ رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: تَعْلَمُنَّ أَنَّكُمْ أَخْوَالِي⁽٣⁾ وَعَشِيرَتِي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَلَقَدِ اسْتَنْفَرْتُ⁽٤⁾ لَكُمُ النَّاسَ فِي الْمَجَامِعِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْصُرُوكُمْ أَتَيْتُكُمْ بِأَهْلِي حَتَّى سَكَنْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ إِرَادَةَ أَنْ أُوَاسِيَكُمْ، تَعْلَمُنَّ مَا أُحِبُّ الْحَيَاةَ بَعْدَكُمْ، وَتَعْلَمُنَّ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ الْعُظَمَاءَ وَقَدِمْتُ عَلَى الْمُلُوكِ؛ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ أَنِّي مَا رَأَيْتُ مَلِكًا وَلَا عَظِيمًا أَعْظَمَ فِي أَصْحَابِهِ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنْ مِنْهُمْ رَجُلٌ يَتَكَلَّمُ حَتَّى يَسْتَأْذِنَهُ فِي الْكَلَامِ؛ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ تَكَلَّمَ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَكَتَ، ثُمَّ إِنَّهُ لَيَتَوَضَّأُ فَيَبْتَدِرُونَ وَضُوءَهُ⁽٥⁾ يَصُبُّونَهُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ يَتَّخِذُونَهُ حَنَانًا⁽٦⁾.
فَلَمَّا سَمِعُوا مَقَالَةَ عُرْوَةَ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ⁽٧⁾ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو وَمُكْرِزَ بْنَ حَفْصٍ؛ فَقَالُوا: انْطَلِقَا إِلَى مُحَمَّدٍ فَإِنْ أَعْطَاكُمَا مَا ذَكَرَ لِعُرْوَةَ فَقَاضِيَاهُ عَلَى أَنْ يَرْجَعَ عَنَّا عَامَهُ هَذَا، وَلَا يَخْلُصَ إِلَى الْبَيْتِ حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ سَمِعَ مِنَ الْعَرَبِ بِمَسِيرِهِ أَنَّا قَدْ صَدَدْنَاهُ.
فَأَتَيَاهُ فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ، فَأَعْطَاهُمَا وَقَالَ: «اكْتُبُوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ، قَالُوا: لَا⁽٨⁾ وَاللَّهِ لَا نَكْتُبُ هَذَا أَبَدًا؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَكَيْفَ؟» فَقَالَا: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَهَذِهِ حَسَنَةٌ اكْتُبُوهَا» ؛ وَكَتَبُوا، ثُمَّ قَالَ: «اكْتُبُوا: هَذَا مَا تَقَاضَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَخْتَلِفُ إِلَّا فِي هَذَا، قَالَ: «فَكَيْفَ؟» قَالَ: اكْتُبِ اسْمَكَ وَاسْمَ أَبِيكَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَهَذِهِ حَسَنَةٌ اكْتُبُوهَا» ؛ فَكَتَبُوهَا، فَكَانَ فِي
--------------------
(١) أي: العجم والعرب، فالغالب على ألوان العجم الحمرة والبياض، وعلى ألوان العرب الأُدْمَةُ والسُّمْرة.
(٢) السالفة: صفحة العنق. وهما سالفتان من جانبيه، وكنَّى بانفرادها عن الموت؛ لأنها لا تنفرد عما يليها إلا بالموت. وقيل: أراد حتى يُفَرَّقَ بين رأسي وجسدي.
(٣) في (أ، ب) : «إخواني» . والصواب: «أخوالي» . فأم عروة: سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف. انظر: كتاب نسب قريش لمصعب الزبيري (ص ٩٨) . وأسد الغابة (٤ / ٣١) .
(٤) في (ز) : «استنصرت» . (٥) الوضوء - بفتح الواو -: الماء.
(٦) الحنان: البركة. (٧) في (ط) : «إلى» .
(٨) ليست في (أ) .