إِنَّمَا أُمِرْنَا أَنْ نَأْخُذَ مِنْهُمُ الْعَفْوَ. فَإِنْ أَنْتَ خَالَفْتَ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ فَآخَذَكَ⁽١⁾ اللَّهُ بِهِ دُونِي، وَإِنْ بَلَغَنِي عَنْكَ خِلافُ ذَلِكَ عَزَلْتُكَ. قَالَ: قُلْتُ: إِذَنْ أَرْجِعُ إِلَيْكَ كَمَا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكَ! قَالَ: وَإِنْ رَجَعْتَ كَمَا خَرَجْتَ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَعَمِلْتُ بِالَّذِي أَمَرَنِي فِيهِ، ( فَجِئْتُ وَلَمْ أَنْقُصْ ) ⁽٢⁾ مِنَ الْخَرَاجِ شَيْئًا. ٤٨ - قَالَ أَبُو يُوسُفَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ الْمَشْيَخَةِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعَثَ إِلَيَّ وَأَنَا بِالْمَدِينَةِ فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ جَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ نَظَرًا لَا أَصْرِفُ بَصَرِي عَنْهُ تَعَجُّبًا! فَقَالَ: يَا ابْنَ كَعْبٍ إِنَّكَ لَتَنْظُرُ إِلَيَّ نَظَرًا مَا كُنْتَ تَنْظُرُهُ إِلَيَّ قَبْلُ! قَالَ: قُلْتُ: تَعَجُّبًا. قَالَ: وَمَا أَعْجَبَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: مَا حَالَ مِنْ لَوْنِكَ، وَنَحَلَ مِنْ جِسْمِكَ، وَنَفَى⁽٣⁾ مِنْ شَعَرِكَ، فَقَالَ: كَيْفَ لَوْ قَدْ رَأَيْتَنِي بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَقَدْ دُلِّيتُ فِي حُفْرَتِي، وَسَالَتْ حَدَقَتَايَ عَلَى وَجْنَتَيَّ، وَسَالَ مَنْخِرَايَ صَدِيدًا وَدَمًا - كُنْتَ أَشَدَّ لِي نَكِرَةً⁽٤⁾! ٤٩ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا، عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ قَالَ: لَمْ تَكُنْ هِمَّةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَّا رَدَّ الْمَظَالِمِ وَالْقَسْمِ فِي النَّاسِ. ٥٠ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَالَ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَكَثَ شَهْرَيْنِ مُقْبِلًا عَلَى بَثِّهِ⁽٥⁾ وَحُزْنِهِ لِمَا ابْتُلِيَ بِهِ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ. ثُمَّ أَخَذَ فِي النَّظَرِ فِي أُمُورِهِمْ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ إِلَى أَهْلِهَا، حَتَّى كَانَ هِمَّتُهُ⁽٦⁾ فِي النَّاسِ أَشَدَّ مِنْ هِمَّتِهِ بِأَمْرِ نَفْسِهِ، فَعَمِلَ بِذَلِكَ حَتَّى انْقَضَى أَجَلُهُ. فَلَمَّا هَلَكَ جَاءَ الْفُقَهَاءُ إِلَى زَوْجَتِهِ يُعَزُّونَهَا بِهِ، وَيَذْكُرُونَ عَظِيمَ الْمُصِيبَةِ الَّتِي أُصِيبَ بِهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ لِمَوْتِهِ:
--------------------
(١) كذا في ( أ، ب ) : « فيأخذك » . وفي غيرهما: « يأخذك » .
(٢) في ( ط ) : « فرجعت » . وفي هامش ( ب ) عن نسخة: « فعملت بالذي أوصاني، فرجعت ولم أنتقص » .
(٣) كذا في ( ب ) . وفي ( أ، ط ) : « عفى » . وفي النهاية لابن الأثير - وقد ذكر هذا النص على ما أثبتناه -: « أي ذهب وتساقط، يقال: نفى شعره ينفي نفيًا، وانتفى: إذا تساقط. وكان عمر قبل الخلافة منعمًا مترفًا، فلما استخلف شعث وتقشف ».
(٤) انظر: عيون الأخبار لابن قتيبة (٢ / ٣٠٢) .
(٥) البث: أشد الحزن.
(٦) كذا في ( أ ) : « همته » . وفي غيرها: « همه » .