فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 346

فَقَالُوا لَهَا: أَخْبِرِينَا عَنْهُ، فَإِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالرَّجُلِ أَهْلُهُ. قَالَ: فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا كَانَ بِأَكْثَرِكُمْ صَلَاةً وَلَا صِيَامًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ عَبْدًا لِلَّهِ كَانَ أَشَدَّ خَوْفًا لِلَّهِ مِنْ عُمَرَ، كَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ فَرَغَ بَدَنُهُ وَنَفْسُهُ لِلنَّاسِ؛ وَكَانَ يَقْعُدُ لِحَوَائِجِهِمْ يَوْمَهُ، فَإِذَا أَمْسَى - وَعَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنْ حَوَائِجِهِمْ - وَصَلَهُ بِلَيْلَتِهِ؛ فَأَمْسَى يَوْمًا وَقَدْ فَرَغَ مِنْ حَوَائِجِهِمْ فَدَعَا بِمِصْبَاحٍ قَدْ كَانَ يَسْتَصْبِحُ بِهِ مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَقْعَى وَاضِعًا يَدَهُ تَحْتَ ذَقَنِهِ تَسِيلُ دُمُوعُهُ عَلَى خَدِّهِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بَزَغَ⁽١⁾ لَهُ الفَجْرُ فَأَصْبَحَ صَائِمًا. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لِشَيْءٍ مَا كَانَ مِنْكَ مَا رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: أَجَلْ، إِنِّي قَدْ وَجَدْتُنِي وُلِّيتُ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَسْوَدِهَا وَأَحْمَرِهَا فَذَكَرْتُ الغَرِيبَ القَانِعَ⁽٢⁾، وَالفَقِيرَ الْمُحْتَاجَ، وَالأَسِيرَ الْمَقْهُورَ وَأَشْبَاهَهُمْ فِي أَطْرَافِ الأَرْضِ؛ فَعَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ سَائِلُنِي عَنْهُمْ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجِيجِي فِيهِمْ؛ فَخِفْتُ أَنْ لَا يَثْبُتَ لِي عِنْدَ اللَّهِ عُذْرٌ، وَلَا يَقُومَ لِي مَعَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةٌ، فَخِفْتُ عَلَى نَفْسِي. وَوَاللَّهِ إِنْ كَانَ عُمَرُ لَيَكُونُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ سُرُورُ الرَّجُلِ مَعَ أَهْلِهِ، فَيَتَذَكَّرُ الشَّيْءَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ؛ فَيَضْطَرِبُ كَمَا يَضْطَرِبُ العُصْفُورُ قَدْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ بُكَاؤُهُ حَتَّى أَطْرَحَ اللَّحَافَ عَنِّي وَعَنْهُ رَحْمَةً لَهُ⁽٣⁾، ثُمَّ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ لَوْ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذِهِ الإِمَارَةِ ( بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ ) ⁽٤⁾. ٥١ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا الكُوفِيِّينَ، قَالَ: قَالَ لِي شَيْخٌ بِالْمَدِينَةِ: رَأَيْتُ عُمَرَ ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ لِبَاسًا، وَأَطْيَبِهِمْ رِيحًا، وَمِنْ أَخْيَلِهِمْ⁽٥⁾ فِي مِشْيَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُهُ بَعْدَ أَنْ وَلِيَ الخِلَافَةَ يَمْشِي مِشْيَةَ الرُّهْبَانِ. قَالَ: فَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ الْمِشْيَةَ سَجِيَّةٌ فَلَا تُصَدِّقْهُ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. ٥٢ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، قَالَ: غَضِبَ عُمَرُ

--------------------

(١) كذا في ( أ ) . وفي غيرها: « برق » .

(٢) في ( ب ) : « الضائع » . وفي هامشها: « القانع » مصححة.

(٣) ليست في ( أ ) . وهي ملحقة بنص ( ب ) .

(٤) في ( ط ) : « بعد ما بين المشرقين » .

(٥) أي: أكثرهم خيلاءً وعجبًا بنفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت