ومن ذلك ما سألني عنه بعض الطلبة وهو (المقيمين الصلاة) في قوله تعالى: [لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون باللّه واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيما] [113] فقال: كيف رفع (المؤتون) ولم يرفع (المقيمين) ؟ فأجبته:
إن (المقيمين) مجرور لعطفه على (ما) في (بما أنزل إليك) وقوله (والمؤتون الزكاة) وما بعده جملة مستأنفة وهو مبتدأ و (أولئك) عطف بيان أو بدل منه، والخبر (سنؤتيهم) .
ومن ذلك (أحب الهاشميين لا سيما محمد(ص) . اعرابه:
(احب) فعل مضارع و (الهاشميين) مفعول و (لا) نافية للجنس، و (سيّ) بمعنى (مثل) اسمها، و (ما) بمعنى (الذي) في محل جر بإضافة (سيّ) إليها. و (محمد) خبر لمبتدأ محذوف وجوبًا تقديره: هو، والجملة صلة (ما) ، وخبر (لا) محذوف تقديره: الكائن منهم والمعنى: احب الهاشميين لا مثل الذي هو محمد الكائن منهم فعلى هذا تكون (سيّ) منصوبة لأنها مضافة واسم (لا) إذا أُضيف نُصِب. وبعضهم أشكل على هذا الاعراب حيث قال: إن (لا) إنما تعمل في النكرة وهاهنا (سيّ) معرفة لأضافتها للموصول! وما قاله باطل لأن (لا) تعمل في النكرة والمضاف والشبيه به، قال ابن مالك:
فانصب بها مضافًا أو مضارعه
وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه
على أن (سيّ) متوغلة في الإبهام فلا تتعرف بالإضافة كما أن (مثل) كذلك. (إن قلت) : لم كان حذف صدر الصلة وجوبًا مع أن المقام يوجب ذكره لان صلة (ما) ليست طويلة ولا يجوز حذف صدر الصلة إذا كانت قصيرة.
(قلت) : أن (لاسيما) لما كانت بمنزلة (الاّ) لأنها تفيد أولوية ما بعدها من قبلها في الحكم فكأنه كان مخرجًا من حكم ما قبلها و (الا) لا تقع الجملة ما بعدها غالبًا فلهذه المشابهة حذف صدر الصلة ويجوز جر (محمد) على جعل (ما) زائدة و (سيّ) مضافة إلى (محمد) ثم على تقدير الزيادة فهل زيادتها لازمة أو يجوز حذفها بان تقول (لاسي محمد) على خلاف في ذلك فمذهب سيبويه الجواز ومذهب ابن هشام الخضراوي [114] على أنها لازمة ويجوز أيضا جعل (ما) نكرة تامة ونصب (محمد) على انه مفعول لفعل محذوف تقديره (اعني محمدًا) والمعنى (لاسي رجل اعني محمدًا) .
(والحاصل) أن للاسم الواقع بعد (لاسيما) ثلاث حالات الرفع والجر والنصب وإنما ذكرت هذا المثال في الباب الثاني لإشكال في تركيبه.
تنبيهان:
الأول: ذكر بعضهم أن (لاسيما) تأتي بمعنى (خصوصًا) وذلك إذا حذف ما بعدها فتكون منصوبة المحل على أنها مفعول مطلق بفعل محذوف فإذا قلت: (اكرم بكرًا لاسيما راكبًا على الفرس) و (راكبًا) حالًا من مفعول الفعل المقدر العامل بـ (لاسيما) والتقدير (اكرم بكرًا وأخصه بزيادة الإكرام خصوصًا راكبًا على الفرس) وإذا قلت: (احب عمروًا لاسيما وهو راكب على الفرس) كانت الجملة الواقعة بعد (لاسيما) حالية وإذا قلت: (احب عمروًا لاسيما أن ركب) يكون جواب الشرط محذوفًا مدلولا عليه بـ (لاسيما) والتقدير: (ان ركب أخصه بزيادة المحبة) فلا تكون الجملة الواقعة بعدها حالية بل شرطية.
الثاني: إذا كانت (لاسيما) بمعنى خصوصًا جاز ذكر (الواو) قبلها بان تقول (ولاسيما) وجاز حذفها إلا أن ذكرها اكثر وهي اعتراضيه.
ومن ذلك قولهم (سواء كان كذا أم كذا) إعرابه:
(سواء) مبتدأ بمعنى مستوي والجملة بعدها تأول بمصدر يكون فاعلًا لسواء وهي سادة مسد الخبر والتقدير (مستو كونه كذا وكونه كذا) و (اسم كان) مستتر فيها تقديره الأمر وخبرها (كذا) زعم ذلك (أبو البقاء) ونفع صفة كقوله تعالى: [كَلِمَةٍ سَواءِ بيْنَنا وبيْنَكم] [115] أي مستوية وعند ابن مالك هي كـ (غير) معنى واستعمالًا.
ومن ذلك (جاء فتً) بحذف ألف (فتى) وتنوين التاء المفتوحة وبيان ذلك ان ألف فتى ساكنة فلما دخل التنوين عليها التقى ساكنان الألف والتنوين فحذف الألف وبقي التنوين فهو مرفوع بضمة مقدرة وإنما حذف الألف دون التنوين لأنه إذا التقى ساكنان وكان أحدهما حرف علة حذف حرف العلة.
(واعلم) أن كل مقصور أو منقوص أمكن دخول التنوين عليه وجب حذف آخره وجعل ما قبله على حاله.
ومن ذلك قولهم (هذا عسجد أي ذهب) إعرابه:
(ذهب) عطف بيان على (عسجد) أو بدل منه بدل كل من كل و (أي) حرف تفسير وعلى هذا فقس ما أشبهه.
(يُتْبَعُ)