أما ما قاله بعضهم من صرف المعنى عن ظاهره , وأنه صلى الله عليه وسلم أراد مكة فإنه يخالف الروايات الكثيرة والصريحة في أنهم أهل اليمن , نحو: أتاكم أهل اليمن , وجاءكم أهل اليمن , ثم جاءت الإشارة في روايات أخرى لتؤكد هذه الأمور , وقد اختار النووي هذا الرأي , وحسنه أبو عبيدة.
ومن هذا الباب ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة , فقال:"فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه"
وزاد قتيبة في روايته: وأشار بيده يقللها.
وفي رواية أخرى:"وقال بيده يقللها يزهدها" (81)
وهذه الإشارة استنبط منها الصحابة معنى القلة , كما نص على ذلك الراوي , مما يعني أنهم مصطلحون ضمنًا على إشارات يفهمون منها معاني خاصة , ولذلك[جاء في رواية سلمة بن علقمة .... ووضع أنمله على بطن الوسطى , أو الخنصر يزهدها.
وبين أبو مسلم الكجي أن الذي وضع أنمله هو بشر بن المفضل رواية عن سلمة بن علقمة , وكأنه فسر الإشارة بذلك , وأنها ساعة لطيفة تنتقل بين وسط النهار إلى قرب آخره , وبهذا يحصل الجمع بينه وبين قوله"يزهدها"أي: يقللها.
ولمسلم من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة [وهي ساعة خفيفة] .
وللطبراني في الأوسط من حديث أنس [وهي قدر هذا] يعني: قبضة.
قال الزبير بن المنير: الإشارة لتقليلها هو للترغيب فيها , والحض عليها ليسارة وقتها , وغزارة فضلها ...
و فائدة الإبهام لهذه الساعة , ولليلة القدر , بعث الداعي على الإكثار من الصلاة والدعاء , ولو بيَّن لاتكل الناس على ذلك , وتركوا ما عداها , فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها] (82)
ولا شك أن الاختصاص بالإشارة هنا لا يراد منه ساعة دون أخرى , ولكن يراد منه التنبيه على قلة وقت الإجابة كما فسر العلماء , حيث قالوا: أن هذه الإشارة تعني أنها يسيرة , أو تعني أنها ساعة خفيفة.
وقيل إنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة.
وقيل: عند الشروق.
وقيل قبل الغروب ...
وكل ذلك تفسير للإشارة بالقلة؛ حتى يجتهد المسلم في كل وقت , لعله يدركها.
دلالة الإشارة على التشبيه
للتشبيه في البيان العربي منزلة عالية , قال عنها الإمام عبد القاهر: [وهل تشك في أنه يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين , حتى يختصر ما بين المشرق والمغرب , ويجمع ما بين المشئم والمعرق , وهو يريك للمعاني الممثلة بالأوهام شبهًا في الأشخاص الماثلة ,والأشباح القائمة , ويُنطق لك الأخرص , ويعطيك البيان من الأعجم , ويريك الحياة في الجماد , ويريك التئام عين الأضاد , فيأتيك بالحياة والموت مجموعين , والماء والنار مجتمعين ... ] (83)
وظهور الإشارة في دائرة البيان , وولوجها في تصاويره الكثيرة دليل على قدرة الإشارة على حمل المعاني , وأدائها على أتم وجه , ولذا يستعان بالإشارة في الصورة التشبيهية , لأن بينهما علاقة وصلة رحم فالغرض الأول من التشبيه هو البيان والإيضاح , وليس هناك أقوى من الإشارة في إبراز المعاني في صور مشاهدة محسوسة تراها العيون , وتتلمسها الأيادي.
ومن هذا ما رواه سيدنا عمار بن ياسر قال:"بعثني رسول الله في حاجة فأجنبت , فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة , ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له , فقال:"إنما كان يكفيك أن تقول بيدك هكذا"ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة , ثم مسح الشمال باليمين وظاهر كفيه ووجهه" (84)
ولا شك أن صنيع سيدنا عمار إنما كان بعد سماعه قول الله تعالى:" (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) (المائدة:6) لأنه لن يفعل شيئًا دون دليل , لكن الآية لم تبين كيفية التطهر , ولا مقداره .. , لذلك بالغ سيدنا عمار فعم الجسد بالتراب."
وكان تعليمه من الصورة الإشارية التشبيهية , فقام النبي صلى الله عليه وسلم بتعليمه عمليًا , وهو ينظر , ولو افترضنا لفظًا يقوم مقام الإشارة , لما وفى بالبيان العملي لكيفية الضرب للأرض , وعدد المرات وما الذي يبدأ به من الأعضاء؟ , وإلى أي مدى يكون المسح؟
(يُتْبَعُ)