وبعد، فإن الموجب لدخول هذه الحلبة وإن لم أكن من فرسانها، وركوب الأهوال في امتطاء صهوة البلاغة وإطلاق عنانها، أنه رسم لي بالاستطراد إلى سوم المعاني الغالية في وصف الخيول المسوّمة، وقالوا: «قهوة الإنشاء من جنس الكميت، فعلّة الضمّ في دور كاساتها مقدّمه» ، فقلت: «إذا كان المطلوب حسن الأدب فامتثال المراسيم من سلوكه» .
وتعيّن أن أقيم لرقيق اللفظ سوقا وأسأل من رسم لي أن لا يناظر السادات في سوق الرقيق بمملوكه، فإني رأيت الشهاب قد سبقني إلى ذلك وهو محمود بكل لسان، ومعه ابن نباتة [1] وهو من الفحول التي ما تجارى في هذا الميدان. ومن أين لتنكيري وصول إلى تعريف ابن فضل الله وتحريره؟ ومن لي بأن أطرق باب الإنشاء وأدخله بغير دستوره، وهو ملك هذه العصابة، فلا تستكثر [2] جياد الخيل على مثله، وليس لابن نباتة وابن حجة غير دهم السطور إذا دهما [3] بخيله ورجله. ولكن بركة محمد شملت أبا بكر فدخل هذه الحلبة وأبدى ما وقر في صدره، أنه خليفته والماشي [4] على سنّته خلافا للحلّيّ، فإنه رفضها وتشيّع في شعره. هذا ولم ينتظم له في صناعة النثر مع أهله شمل، ولا اشتملت منه قرائنه الصالحة على حمل: [من السريع]
قالوا صفيّ الدين أشعاره ... ما للورى في طرقها ممشى
وهكذا إنشاؤه مسكر ... قلت لهم: والله ما أنشا
وقد سمّيت هذه النبذة من نثري ونثر الجماعة في وصف الخيل «مجرى السوابق» ، والله تعالى يغفر بمنه [5] السابق، ويأخذ بيد اللاحق [6] .
قال الشهاب محمود [7] :
(1) ابن نباتة: ها: محمد ابن نباتة.
(2) تستكثر: تو: تستنكر.
(3) إذا دهما: با، ها، قا: إذا هما دهما تو: أتا هما دهما.
(4) الماشي: ها: الماضي.
(5) بمنه: ساقط من نب، تو.
(6) اللاحق: إضافت نسخة ها: إن شاء الله تعالى.
(7) «حسن التوسل إلى صناعة الترسل» ، طبعة مصر 1315ص 142141نشر نفس النص مؤخرا في الجزء 25من «الوافي بالوفيات» لخليل بن أيبك الصفدي (المكتبة الإسلامية، بيروت 1999) ضمن ترجمة شهاب الدين أبي الثناء محمود بن سلمان بن فهد الحلبي (ص 355وما بعدها) .