أما منشئ السيرة فماذا أقول؟ قد رأيت الخطب جليلا، وماذا أصف؟ وقد حمّلني العجز عن الوصف عبئا ثقيلا، هو كبير أناس، مزمّل [1] من البلاغة بأنواع وأجناس، تأتمّ الهداة به كأنه [2] علم، وتروم الأدباء المقايسة به فيقاسون ولكن شدة الألم، له في الأدب صريمة وشهامه، وفراهة الهمة [3] تجريه إلى المقامات الرائقة ولا تعتريه سآمه، وما همّ بتركيب معنى إلا وشرح الصدور بذلك الهمّ، ولا شنّ فارس فكرة غارة إلا وتمّ منها على بيوت الشعراء ما تمّ، طالما أظهر برغم أنوف الحسدة في المجالس فضله، وصعبت الآداب على غيره لكنها أصبحت عليه سهله، وعقل غرائب نكته عما سواه فلله ما أبدع من عقله. كدّر عيش الحلّي بما أبتدعه من العجائب ولا تنكر لمثله تكدير الصفي، واكتفى في ميدان البراعة بجواد فكره الذي جال وهو مكرّ مفرّ وهكذا يكون المكتفي، أتى بألفاظ تأريخية لو رآها ابن الأثير لتأثر، أو ابن سعيد لتعثر [4] ، أو ابن بسّام لأصيب منها بالقارعة فعبس وتولّى، أو الحجازي لرمي منها بالداهية التي هدمت ما بناه وثقلت عليه حملا. وكتب خطأ لو لمحه ابن مقلة لأصيب منه بنظره، أو ابن البوّاب لهتك الله ستره. وجاء بأدب لو وازن أحد به الراجح لما أقام الدهر له وزنا ولا رجحه، ولو تأمّل الملحي ملاحة [5] لفظه الذي ما مر مثله بالذوق لقال لسان التعجب: «ما أملحه» ، ولو قيس به ابن الرومي المتعاظم، لأنشد الناظم: [من الوافر]
ولو أنّي بليت بهاشميّ ... خؤولته بنو عبد المدان
لهان عليّ ما ألقى ولكن ... تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
ولو تشبّه به مادح كافور لعاد من برده بكبد [6] حرّا، ولو كلّف مجاراته [7] صاحب القطر النباتي لقال: «ربنا أفرغ علينا صبرا» ، ولو تعرّض ديك الجن لعزائمه في الأدب لما
(1) مزمل: ها: محمّل طب: مزمله.
(2) كأنه: ق: كأنهم.
(3) الهمة: طب، ها: همة.
(4) تعثر: بر: تغير.
(5) ملاحة: تو، ها: ملاحظة.
(6) بكبد: ق: يكيد.
(7) مجاراته: ق: مجازاته بر: بمجاراته.