زادته إلا خبالا، ولرأى سطورا تتولد بها [1] المعاني العجيبة والليالي كما علمت حبالى، ولو أصبح ابن قادوس فخّارا بمثل أدبه لقلنا: «حسبه أن يدور في الدولاب» ، ولو تسرّع الزغاري [2] إلى نضيد معاني ألفاظه الشاردة لقطعت عليه أذناب الكلاب، ولو تسلق المعمار عليها لعلم أنه ينحت من الجبال بيوتا، أو أبو نواس لقال: «هذا الذي قتل [3] الأدب خبرا [4] وعرف من أين يؤتى» ، ولو عورض به ابن ممّاتي لطال على قريحته الميتة النحيب، أو ذكر الصابي لقال الذوق السليم: «ليس بعصرنا من صابّ سوى هذا الأديب» ، ولو أدرك آدابه الحكيم [5] ابن دانيال، لعلم أنه ما تخيل نظيرها في الوهم ولا تصور مثلها في الخيال، وإذا كان الأمر كما قال حسان رضي الله عنه:
[من البسيط]
وإنما الشعر عقل [6] المرء يعرضه ... على البرية [7] إن كيسا وإن حمقا
فما أوفر عقل هذا الشاعر وما أوفاه، وما أقدره على تخيّل المعاني الغريبة وأقواه، وما أحمق من قاسه من قرنائه في هذه الصناعة التي تعاطاها بسواه، كم تصوّر معنى في الذهن فأبرزه في الخارج أغرب الأشياء أسلوبا، وكم ركب جناسا إذا ذكر البستي عنده قال الأدب: «دعنا من تركيبه للجناس مقلوبا» ، ولقد كنت أرتجي بابا أدخل منه إلى التقريض ففتح المقر التقوي بابا مرتجا، * ونهج الطريق إلى المدح فاقتفيت آثاره واهتديت حيث رأيت منهجا * [8] ، أبقاه الله تعالى لإبهام يوضحه، وفساد عاجز يصلحه، والله تعالى يحفظ على منشئ هذه السيرة قريحته التي هي لعجائب [9] الأدب حائزه [10] ، ويجعله ممن يسرح في
(1) تتولد بها: طب: تتولد منها.
(2) الزغاري: قا: الزعاري ق: الزغادي طا: الزغاي ساقط من ها.
(3) قتل: ها: قبل بر، قا: قيد.
(4) خبرا: قا: خيرا.
(5) آدابه الحكيم: طب: ادايه الأديب.
(6) ديوان حسان بن ثابت ج 1ص 430: لبّ
(7) البرية: بر، قا: الأنام ديوان حسان بن ثابت: المجالس.
(8) ما بين النجمتين ساقط من النسخة بر.
(9) لعجائب: ق: لنجائب.
(10) حائزة: ق: جائزة.