زاد الناس هرجا ومرجا، أو ترسّل غراميّا فما حديقة زهير عند زهر منثوره، أو كتب عنا تهديدا أسال جامد الصخر وسمعت الجوزاء حديثه مع الحصى عند خريره، فإنه المنشئ الذي ما اعتقل رمح قلمه واهتزّ في يمينه هزه، إلا قال كل منشئ: «دخلت إصبع قلمي من دواتي تحت رزّه» . ولا أنشأ رسالة إلا أظهر فيها معجزات بلاغته، وقد علم أن الناس مقرّون بفضل محمّد ورسالته. ولا هزّ من دوح أقلامه فرعا إلا تساقط منه بين الأوراق ثمرات شهية. فلو أدركها ابن صاحب لقدّمها وأخّر الفواكه البدرية، فلو عاصره بنو [1] فضل الله لأقرّوا والله بفضله، والكلستاني فما لعجمته في الأدب فصاحة هذا الجهني ولا عراقة أصله. ولو ناسبه الفتح لقابله المؤمنون بالقتال. وأما والده فقد اعترف عندنا بكماله، وهذا التقليد هو لثبوت ذلك الاعتراف إسجال. فإنه الأمين الذي إن تصرّف في مزرّتنا الشريفة فقد تقدم أنّ توثيق العرى لبيته العالي، أو أملى في ديواننا الشريف كانت أماليه أمالي المحبّ لا أمالي القالي. ويراعه هو الموصول الذي ما تنفّس [2] على دفّ طرس إلا سمع منه المرقص والمطرب، وقال المنشئون وقد سكروا في الحضرة بإنشائه: «من أين هذا النفس الطيّب؟» [3] ، وأما النظم فإن سئل عن بلاغة بيوته هل درست أم صخرها ثابت لم تغيره مدّه، فسلوا [4] هذا العربيّ فإنه جهنيّ ويقين الخبر عنده، فلو أدركه ابن نباتة ودّ أن تكون من نباته الحموي جلاسة (!) [5] قطره، وتمنّى لحدائق منثوره زهرة من نثره. وأما العلوم فبيته لها أهل وهو إن شاء الله صالح أهلها، والاستعانة بهذا الصالح وقعت بمشيئة الله في محلها.
فليباشر ذلك على ما علم [6] من هذه الصفات التي لم تنسب لغير كماله وعلوّ قدره، ويقابل هذه النعم التي عقدت عليها الخناصر بحسن خواتم شكره، وقصص المستحقين يمد لها من أنفال قبولها [7] مائده، ويعرب لهم عن صلتنا الشريفة لتكون عليهم
(1) فلو عاصره بنو: قا: فلولا عاصره ابن.
(2) تنفس: ق: نقر.
(3) النفس الطيب: طب: النفس والطيب.
(4) فسلوا: طا: فاسلوا قا: فاسالوا ها: فسلوا عن.
(5) جلاسة: كذا في جميع النسخ الكائنة تحت تصرفنا وربما هو تحريف ل «خلاصة» .
(6) علم: طب: عرف.
(7) قبولها: تو، قا: قبولنا.