فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 604

الخيل والليل والبيداء ما برحوا تحت نظره. وقد تقوّى اليوم بدروعه الداوودية أهل القرطاس والقلم، واعتقل كل منهم رمح قلمه وطعن في صدور الأوراق فتكلمت، وأداروا كؤوس الإنشاء فسجعت لهم حمايم السجع على زهر منثورها وهينمت [1] .

وتزيّن وجه ديوان الإنشاء بهذا الناظر واستوفى ما كان له في ذمة الزمان من الدين. وعلمنا أنه عين الدهر فقلنا له: «ما جئناك إلا بعين» . وكم نظر في رزق الجيش وأفاض عليها نيل أياديه فأنبت فيها الأرزاق، ولهذا هام دوح الإنشاء إلى غصون أقلامه ليراها في كل حين مثمرة بين الأوراق.

فلينظر في ذلك على ما علم من تدبيره الذي نزع ما في صدور القوم من الغلّ فأصبحوا إخوانا، فإنه ما برح يمهّد في الدولتين قواعد ويقيم أركانا. فمواصيل الأقلام بشّرت أن يدبّ فيها منه نفس صادق فترنمت، وثغور المحابر علمت أن يصير لها [2] من أطراف أنامله البيض شنب فتبسمت. وخدّام السطور والطروس قام في خدمته منها عنبر وكافور. وقال أسود النقس: «والله إن العبد بذلك مسرور» ، ولا قلم إلا سجد برأسه في محراب طرسه شكرا، وغازل بعينه السوداء مايسا فقلنا: «رنا وانثنى كالسيف والصعدة السمرا» ، وعاد شباب أقلام الكرم وكأنّ المشيب في فرعها الأسود قد وخط، وزهت وجنات الطروس بعوارض السطور وشامات النقط، وصدّق سيف الجيش رسالة قلم الإنشاء ومال إلى سحر بيانه، وصدّق القلم [3] أيضا رسالة السيف وقصّر من طول لسانه.

ولمّ الله في بيت واحد شمل كل منهما، ويجمع الله الشتيتين [4] بعد ما، ونام السيف ملء جفنه، وأصبح القلم بعد كسره في بسط، وأصلح الجناب العلمي بينهما وخرج ابن نباته بزخارفه المفتنة من الوسط. فرحم الله المقام الوالدي وفقّه تربه من غيث الرحمة في باب المياه، فهذه القطوف الدانية من المحاسن ثمرات ما غرسته يداه. والوصايا كثيرة ولكن من دينه وحسن تدبيره تكتسب، ووصاياه ما برحت مقترنة بالنجاح ونيل الأرب. والله تعالى يجعله علما كلما نودي لمهم شريف رفع بذلك النداء، ويحسن ختامه في الآخرة كما أحسن براعته في الابتداء. بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.

(1) هينمت: كذا في طا، طب، تو قا، ق: هيمت.

(2) لها: طب: لنا.

(3) القلم: ها: العلم.

(4) الشتيتين: ق: الشيبتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت