قلب جيش رحيب الصدر خفقت بحسن رائه للنصر رايات، وسبق جياد الخيل بسوابق عزمه إلى الغايات. وإذا نشر للعدل علما قالت الرعايا: «رفع الله هذا العلم وأسبغ ظلاله» . وإذا أفاض بحر أياديه أشار إليه النيل بأصابعه وقال: «ما حسن الوفاء إلا له» ولو ولو حتى تنحسم [1] مادة الحروف، وتقصر خيول الصفات [2] عن تبع هذا الموصوف، فإنه الذات التي جمع الله فيها بين الحسن والحسنى، والكريم الذي لو أدركه معن بن زائدة لنقص عند قومه وقالوا: «ما أبقى لنا هذا صورة ولا معنى» .
فلينظر في ذلك فإنه الموصوف الذي تجمّلت هذه الأوصاف ببديع صفاته، وقد جاء شامة في وجنة هذا العصر. ولأجل ذلك اتخذه الدهر من حسناته، وقد صرفناه في بديع هذا البيت الشريف علما أنه يصير بحسن نظمه في غاية الانسجام. ويتسلى به عن فقد الأحبّة فؤاد ما يسلّيه المدام، وها زهر فضله قد أينع في رياض [3] ملكنا الشريف واتخذته أركان الدولة شقيقا، وبلّ ثغور الممالك بنداه وكيف لا وقد أمسى غصنا زاهرا وريقا. ولو همّزنا شقر الأقلام إلى استطراد [4] وصفه لضاقت ميادين الطروس، فإنه فرع سقّيناه ماء القرب فأثمر سريعا وعلمنا أنه من دوحة زاكية الغروس، وإذا أحسن نظره فيما فوّضناه إليه فحسن النظر في الخاص والعام ما خرج عن بيته العالي، ولا رأيناه أملى تدبيره إلا قالت أماليه: «إنّا أمالي المحبّ لا أمالي القالي» . والوصايا كثيرة ولكن في كفايته بحمد الله ما يكفي ويغني عن توكيدها. فإنه غذّي بلبانها ونشأ بين طارفها وتليدها، والله تعالى يزيده صلاحا في دينه ودنياه، ويحسن به ختام نظم بيته ليضوع في الآفاق من مسك هذا الختام طيب شذاه. بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.
(1) تنحسم: ها: تنجسم.
(2) الصفات: ق: التعلقات.
(3) رياض: ساقط من ها.
(4) استطراد: قا: استقرار.