بسلاسل سطوره وسلّط عليه كشّاف والده. وأما العربية فهو فارس ميدانها، وقائد عنانها. كم قال مغني ابن هشام: «هذا اللبيب والغني الذي ما ردّ لفقرى إليه مسأله» .
وقال التسهيل: «أرجو أن يكون شهود شواهدي عند قاضي القضاة علم الدين معدله» .
والبيان فقد فتح أبوابه بغير مفتاح وكساه ديباجة المعاني، والحديث فكتبه الستة عوّذته بالسبع المثاني. وقد تميز من روى عنه وأسند إليه صحيح الخبر، وناهيك بالسند العالي وصحة الرواية عن ابن عمر. والقراءات فهو مقرئ ضيوفها بفضله المتتابع، فإنه كثير الفضل والله له عاصم وهو بعلومه نافع. والمنطق صار موضوعه به محمولا وعقود شمله منتظمه، وبصحة منطقه وصلت إلى نتيجتها كل مقدمه، والأدب فقرائنه الصالحة لم تخطب غير صالح وقد صارت مؤهلة به، وقالت التورية: «ما شك أحد في حشمة قاضي القضاة وكثرة أدبه» . وأما الخطابة فما كرر سجعة إلا قالت الخطب النباتية: «هذا النبات المكرر» ، وود كف الثريا أن ينصب له الرامح علما رابعا على ذلك المنبر، ومن جهل أن في مواعيده المستجاد والمستفاد، وأراد العلم بذلك كأن بيننا وبينه ميعاد، فلو أدركه ابن الجوزي قال بتبصرته: «هذا المدهش بمواعظه والمفضل» ، وكم قال الكرسي: «هذا إبني» وعوذه بالمفصل. ويطول الشرح عن بقية ما أودعه الله من العلوم، وذلك بحمد الله عند الأئمة معلوم.
فليرق إلى هذه الرتبة التي قطعت دونها المطالع، ولكن طافت ببيته وكان لها إليه مسعى، وليمش في حللها المهشمة بعلومه فإنه يستحقها شرعا، ولقد هامت به شغفا من الأيام الجلاليه، وأبى الله [1] أن يعقد لها عليه عقدا إلا في الأيام الأشرفيه.
فلينظر في أمرها نظر صالح أظهر الله به سيف الشرع وأعلاه، ونفذ له حكم ذلك السيف القاطع وأمضاه. وهذا المنصب تغزّل بأوصافه قديما وكان حديثه غير مفترى.
وقال قلم الإنشاء: «لا بد أن أجري في ميادين الطروس بتقليده» وكذا جرى، وها أقلام الأوقاف قد أطلقت الألسنة في وصف مناقبه وشكرها، وقال لسان حال الواقف: «إن فني لساني فلتشكرنّك أعظمي في قبرها» ، وتقدّمه جماعة تقصر نهاياتهم [2] عن ابتدائه، ولو عاشوا مشوا تحت علمه وتشرّفوا بحمل لوائه. ولو أدرك ابن دقيق العيد علومه قال:
(1) الله: قا: الله سبحانه.
(2) نهاياتهم: طب، قا: نهايتهم.