يا لهف قلبي على وادي دمشق ويا ... حزني عليه ويا شجوي ويا دائي
في شهر كانون وافاه الحريق لقد ... أحرقت بالنار يا كانون أحشائي
ونظرت بعد ذلك إلى القلعة المحروسة وقد قامت قيامة حربها حتى قلنا: {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ} [1] ، وستّروا بروجها من الطارق بتلك الستائر وهم يتلون: {لَيْسَ لَهََا مِنْ دُونِ اللََّهِ كََاشِفَةٌ} [1] ، استجليت عروس الطارمة عند زفتها وقد تجهزت للحرب وما لها غير الأرواح مهر، وأقعدت على رأسها تلك العصائب وتوشّحت بتلك الطوارق، وأدارت على معصمها الأبيض سوار النهر، وغازلت بحواجب قسيّها فرمت القلوب من عيون مراميها بالنبال، وأهدت إلى العيون من مكاحل نارها أكحالا كانت السهام لها أميال، وطلبها كل من المحاصرين [2] وقد غلا دست الحرب وسمح وهو على فرسه بنفسه الغاليه، * وراموا كشفها وهم في رقعة الأرض كأنهم لم يعلموا بأن الطارمة عاليه * [3] . وتالله لقد حرست بقوم لم يتدرّعوا بغير آية الحرس في الأسحار، وقد استيقظوا لحمل قسيّهم ولم تنم أعينهم عن الأوتار، فأعيذ رواسيها التي هي كالجبال الشامخة بمن أسس رواسي المحجوج [4] ، وأحصنها قلعة بالسماء ذات البروج. وتطاولت إلى السور المشرف وقد فضل في علم الحرب وحفظ أبوابه المقفلات، فما وقفنا له على باب إلا وجدناه لم يترك خلفه لصاحب المفتاح تلخيصا لما أبداه من المشكلات، وما أحقه من قول القائل: [من الطويل]
فضائله سور على المجد حائط ... وبالعلم هذا السور أضحى مشرّفا
وكم حملوا عليه وظنوا في طريق حملتهم نصره، ونصبوا دست الحرب ولم يعلموا بأنه قد طبخ لهم على كل باب قدره. فلا وأبيك لو نظرته يوم الحرب وقد تصاعدت فيه أنفاس الرجال لقلت: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذََلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ} [5] . وإلى المحاصرين وقد جاؤوا راجلا وفارسا ليشهدوا القتال لقلت: {وَجََاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهََا سََائِقٌ وَشَهِيدٌ} [6] ، وإلى كواكب الأسنة وقد انتثرت، وإلى قبور الشهداء وهي تحت أرجل الخيل وقد بعثرت، وإلى كرّ
(1) سورة النجم 53/ 5857.
(2) المحاصرين: ق، تو، ها، قا: الحاضرين.
(3) ما بين النجمتين ساقط من تو، قا.
(4) رواسي المحجوج: ق: وأسى المجنوح.
(5) سورة ق 50/ 20.
(6) سورة ق 50/ 21.