الفوارس وفرّها لقلت: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مََا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [1] ، وإلى نار النفط وقد نفطت من غيظها، وإلى ذكور السيوف وقد وضعت المنايا السود وتعذرت من شدة الدماء لكثرة حيضها: [من الكامل]
ومن العجائب أنّ بيض سيوفهم ... تلد المنايا السود وهي ذكور
وإلى فارس الغبار وقد ركب صهوات الجو ولحق بعنان السماء، وإلى أهداب السهام وقد بكت لما تخضبت بالدماء، وإلى كل هارب سلب عقله، وكيف لا وخصمه له تابع، وإلى كل مدفع وله عند حكم القضاء دافع، وإلى قامات أقلام الخط وقد صار لها في طروس الأجسام مشق، فاستصوبت عند ذلك رأي من قال: «عرّج ركابك عن دمشق» . ونظرت بعد ذلك إلى العشير وقد استحلّ في ذي الحجة المحرّم، وحمل كل قيسي يمانيا وتقدّم. فجزع النساء وقد أنكرن منهم هذا الأمر العسير، فقلت: «وغير بدع للنساء إذا أنكرن العشير» . وتصفّحت بعد ذلك فاتحة باب النصر فعوذته بالإخلاص وزدت لله شكرا وحمدا. وتأملت أهل الباب وهو يتلون لأهل البلد في سورة الفتح وللمحاصرين: {وَجَعَلْنََا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا} [2] . كم طلبوا فتحه فلم يجدوا لهم طاقة، وضرب بينهم بسور له باب، {بََاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظََاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذََابُ} [3] .
ونظرت إلى ما تحت القلعة من أسواق التّجّار، فوجدت كلا قد محت النار آثاره، وأهله يتلون: {قُلْ مََا عِنْدَ اللََّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجََارَةِ} [4] ، فمنهم من همى شأنه على صاحبته وبنيه، وآخر قد استغنى بشأن نفسه، فهم كما قال الله تعالى:
{لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [5] . فوقفت أنشد في تلك الأسواق وقد سعّرت: [من الوافر]
ألا موت يباع فاشتريه؟
ونظرت إلى المؤمنين الركّع السجود، وهم يتلون على من ترك في بيوتهم أخدودا من وقود النار وقعد لحربهم في ذلك اليوم المشهود: {قُتِلَ أَصْحََابُ الْأُخْدُودِ، النََّارِ ذََاتِ}
(1) سورة الانفطار 82/ 5، كما أشارت الفقرة إلى الايتين الثانية والرابعة من نفس السورة.
(2) سورة يس 36/ 9.
(3) سورة الحديد 57/ 13.
(4) سورة الجمعة 62/ 11.
(5) سورة عبس 80/ 37.