فهرس الكتاب

الصفحة 517 من 604

باشتقاق أفعال الجود لواردها مصادرا، ولا زالت عند عرض الألفاظ المطوّلة تقبل إعذار المقصّرين، وحاشا موجد حبّها أن يخذل وبها ناصر الدين.

وينهي أنه تطفّل على كبر قدر مولانا ببراعة هذه العبارة على قدر مقامه، لعله أن يكون ممن اصطفاه برسالاته وبكلامه، ويجمع بجبر قلب العبد إذا كاتبه بين الثواب والجواب، ويتقلد من جواهر فكره الذي أمره أن يجوب بحار المعاني ويجيء بالدر فجاب، ويتقدم أبو بكر في مسابقته لتصديق الرسالة المحمدية على الأصحاب، وينظر المملوك إلى طروس لمعت بروقها الشامية بنيل المطلوب، وانفرجت بها كرب القلب فيقول:

«هذا هو البرق الشامي ومفرّج الكروب» ، ويستيقظ عند صباح ذلك الطّرس وقد ظهر متبلّجا، وقد حمد فيه سرى تلك المعاني فيعوّذ بياضه وسواد سطوره ب {الضُّحى ََ وَاللَّيْلِ إِذََا سَجى ََ} [1] ، ويطرب لطيور إنشائه وهي تسجع في الأوراق، وقد كادت أن تطير بأجنحة الطروس إلى أو كار أسماعنا على الإطلاق، وتقول هذه الأسجاع التي نفث سحرها في عقد الأقلام: فلله درّ هذا اليراع الذي حاز قصبات السبق إلى الأسنة لأنّ له إذا جال في ميادين النثر نظام: [من الطويل]

طعان بأطراف القوافي كأنّه ... طعان بأطراف القنا المتقوّم

ويحظى المملوك من هذا المثال الذي ليس لحسنه مثال بالوصل، وتعتدل فصول مسرّاته كلما دخل منه إلى فصل، ويقول: «الحمد لله الحكيم اللطيف بعبادته» . لقد صحّ القلب الضعيف وتداوى بصحة هذا الرسالة ويستغني ببياضها عن السويدي ورسالته. وينشق من طيّ منشورها رائحة تلك المعاهد، ويعود بصلة وصلها إليه من المسرة عائد، ويتذكر تلك المواقف التي كلما همّ المملوك أن يقف بها مرة أخرى قال له لسان الحرمان: «عزيز أن يتفق لابن حجّة وقفتان» . وقد علم الله أنه لم يكن تأخير العبوديات من العبد إلا حسدا أن يفوز دونه بالملتقى. وحياء أن يرسل إلى تلك الرياض التي سما قدرها بزهر المعاني ورقى. وطمعا أن لا يتخصص بذلك الحي غيره ويصف [2] برد تلك المناهل. وحسدا ثانيا أن تحظى المطالعات دونه بالوصول إلى تلك المنازل. وبعد فإن كان المملوك قد تجاهل بهذه المطالعة إذ ليس هو من أهل هذا المقام، فليكن جوابه من مولانا

(1) سورة الضحى 93/ 21.

(2) يصف: نب: يرشف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت