تلك المعاملات [1] وزهت بعد الوحشة بالأنيس والخليط. ونزلت [2] اللاذقية في ساحل بحرها فرحا وقالت له: «جاءك البحر المحيط» ، وندمت جبلة على قبول ولاية الغير وناهيك بندامة جبلة فيما تقدم. وسرت جنايب القبول وأشرقت غرّة الهناء في مقام ابن أدهم، وأصبح أهله في ذلك الحرم بعد الخوف آمنين، وتلا لهم لسان الحال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقََامٍ أَمِينٍ} [3] . ورفع الحصن أنف قلعته وأظهر شمما، وعلم أنه بعد هذا الشرف لم يصل إليه إلا من اتخذ سلّما إلى السما، وصفا العيش لصفيتا بعد ما اشتدّت من الكدر «قفا نبك» ، وردّت مسابكها لما عادت إلى قيد الحياة على من قال: [من الطويل]
تحطّمنا الأيام حتى كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك
وذللت صهوة صهيون، وبترت يد الحاسد بالبترون، ورجع الظنيّون [4] إلى التحقيق من الخير بعد ما ساءت بهم الظنون، وعرقت عرقى [5] عرق العافية لما جاءها الطبيب، وأمست المرقب كما يقال بلا وشاة ولا رقيب، وغازلت عكا بعينها وصفت وتشامخت أنفة بعد ما كانت من أنفها قد أنفت، وترفّعت بلاطنس الجبل وعلمت أنها لهذه البشرى في صعود وسعود، * وتحقق نجم قلعتها أن طالعه بهذا الهناء مسعود * [6] ، وأمست القليعة مشرّفة وظهرت شمس بهجتها حتى قلنا إنها برج الحمل، وعلقت العلّيقة بطرف من [7]
سارية هذه البشرى فقالت لها: «يا سارية الجبل الجبل» ، وتشامخ الجبيل فرحة وتعاظم بعد التصغير، وراقت الخوابي وتاهت سكرا بعد ما كانت هي وأهلها من الظلم تحت العصير، ورجعت تلك البقاع التي شقيت لفقد مولانا إلى ما كانت عليه من السعادة وأزيد: [من الكامل]
وإذا نظرت إلى البقاع وجدتها ... تشقى كما تشقى الرجال وتسعد
(1) المعاملات: قا: العلامات.
(2) نزلت: تو، ها: تزلزلت.
(3) سورة الدخان 44/ 51.
(4) نسبة إلى إقليم الضّنّيّة في شمال لبنان.
(5) عرقت عرقى عرق: ها: عرفت عرّ في عرف، وهي إشارة إلى بلدة عرقة في إقليم عكار بشمال لبنان.
(6) ما بين النجمتين ساقط من قا، ها.
(7) من: ساقط من ها.