ومطلع القصيدة: [من البسيط]
ما لي وللعلم إنّ الجهل أسلم لي ... ولم ينم فاضل إلّا على وجل
والتقريظ:
حججت إلى كعبة هذه القصيدة متمتعا منها بمعان ذات بهجه، معترفا بالتقصير على استيعاب محاسنها وما عسى أن يتأمل من وقفة ابن حجّه. فيا لها من نسيب شعر ولّده ذهن شريف وما لشرفه مناسب، ويا لها من عربية فحول الشعراء خلفها جنائب: [من البسيط]
لو أنّ فحل كليب شام بارقها ... أضحى يلفّ على خيشومه الذنبا
قعدت لناظمها أيده الله فأقامت قواعد الأدب، وتركت لامية العجم تقول عند فصاحتها: «يا للعرب» ، وأرسل ربّها آيات فضلها إلى الأسماع فكان لمرسلاتها نبا، وغاص في بسيط بحرها واتخذ سبيله في البحر عجبا. لحظت معنى [1] السحر من ألحاظ معانيها، وترددت إلى أبياتها المرقصة فملت طربا بين مغانيها: [من الكامل]
نغم لولا معاني السحر من لحظاتها ... ما طال تردادي إلى أبياتها
هذا وقد أرسلت بعد فترة من أصحاب النكت الأدبيه، فقابلتها بالتصديق، وما برح أبو بكر يصدّق المعجزات المحمديه. كم نفث في عقد الأقلام سحرها، وأرضعتها ثدي بلاغتها فقلنا: «لله درّها» ، وأوضحت مسالك البديع فأهدتنا إليه بالإيضاح، وأوقفتنا على أبواب المعاني والبيان مفتوحة فأغنتنا [2] عن المفتاح. لقد جاءت يتيمة في الدهر متموّلة بنثر درها النظيم، تالية لمن يتعرض إلى معنى معانيها: {لََا تَقْرَبُوا مََالَ الْيَتِيمِ} [3] . فلو عاصرها الطائي لا نطوى ذكره بطيب نشرها، أو سمعها الوليد لشاب من عجائب أمرها: [من الطويل]
كذا المتنبّي لو أتى في زمانها ... لكان إلى أبوابها صار مرسلا
وأما المتأخرون فما للنباتي حلاوتها، ولا للوردي نضارتها، ولا لابن الصايغ سبكها وصياغتها، ولا للسراج نور مشكاتها، ولا لابن تميم فصيح لغاتها، ولا للمعمار قواعد
(1) معنى: نب: معاني.
(2) فأغنتنا: قا: فاغتنينا.
(3) سورة الأنعام 6/ 152.