فهرس الكتاب

الصفحة 528 من 604

توحش عنده أدب ضده، وغرق في بحره، والضبّ والنون لا يجتمعان. فلو أدركه ابن قزمان لقال: «أبو بكر أول من أقر لمحمد بالبرهان» . حدثت عن جامعه الكبير فسموت إلى أن تعلّقت بأجنحة النّسر، وفعلت ما رسم لي من الكتابة عليه علما بأن وقايته تقي فعلي من الكسر. وتالله لقد تأهّلت في الغربة بنسيبه الغريب،

وكل غريب للغريب نسيب [1]

وجنيت من ثمر أغصانه الثلاثية بين تلك المرابع فطابت حواسّي الخمس. واهتديت بنور مطلعه وترقّيت فعلمت أني وصلت إلى مطلع الشمس. وأذنت إلى خرجاته بالدخول فوجدت كل قرينة صالحة قد اشتملت في بيتها منه على حمل، فبايعته على سلطنة الزجل، لأنه صاحب التخت، ومولّد [2] الدقات الأدبية مثل الرمل، الله أكبر لقد صلّت أئمة الزجل خلف هذا الإمام وسلّمت إليه مقاليد الإمامه، وأقامت قيامة أضداده فاعترفوا في موقف الذلّ أن محمد صاحب القيامه. ونظروا إلى بيوته العامرة بالبديع وقد نظر من علوّ الطباق إليهم، فتلت قوافيهم في الزلزلة وأمسوا يخرّبون بيوتهم بأيديهم. هذا والله الأدب الذي تطيبنا بشذا عرفه وتعرفنا تعريفا لا ينكر، وسمعنا تاء خطابه فعلا لأهل الفن زجل صغّروا به أنفسهم وقالوا: «الله أكبر» . ونظرت إلى توريته الشهلاء وقد غازلتنا بسحر أجفانها، وبرزت تحت حاجبها النوني ونقطة تلك النون من جملة خيلانها. عارض موصليّهم [3] بآلة أدبه المطربة فلم يظهر لإبراهيم الموصلي بعدها طرب، ولم نر من بديعه غير عصيان بلا طاعة دلّنا منه على قلة الأدب. فلو أدركه الأمشاطي لسرّح عن القيمة [4] بإحسان وسلا من تعشّقه [5] من الأكياس، أو عاصره ابن مقاتل لقال: «قوموا بنا يا مشايخ قد أنقى المشيب لعلنا ندخل إلى جنان هذا الجناس» . ولو جاراه الأعرج لانقطع خلفه ولو عرج إلى السما، وكم ناظره ابن الغباري فما لحق له غبارا ورجع بالعمى: [من مخلّع البسيط]

(1) عجز بيت لامرئ القيس ضمن بيتين قالهما عند موته، وصدر البيت:

أجارتنا إنا غريبان ههنا

(2) مولد: قا: موضع.

(3) موصليهم: قا: مواصيلهم.

(4) القيمة: طب: القيامة.

(5) تعشقه: قا: يعشقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت