أدلة القول الثالث:
استدل أصحاب هذا القول بأن كساد النقود الخلقية إذا كانت ثمناً أو أجرة يزيل ماليتها التي جرى عليها العقد، وهذا يفضي إلى جهالة الثمن والأجرة فيفسد بذلك العقد؛ لكونها جهالة تفضي إلى المنازعة [1] . أما في القرض فالواجب رد مثله؛ لأنه إعارة توجب رد العين معنى، وهو مضمون بمثله، ورد القيمة يفضي إلى الربا [2] . وأما المهر فهو مبذول في (( عقد لا يقتضي المغابنة والمكاسبة، وإنما يقتضي المواصلة والمكارمة ) ) [3] ، فلا يجب إلا ما تم عليه العقد، ومثله الإقالة فإنها إحسان وبر.
يناقش هذا بما يأتي:
الأول: أن الأصل لزوم العقد وصحته وعدم إبطاله فلا ينتقل عنه إلا بدليل [4] ، ولا دليل على بطلانه وعدم لزومه في عقدي البيع والإجارة.
الثاني: أن ما ذكر من الجهالة في الثمن والأجرة بسبب الكساد غير مسلم؛ لأن إيجاب رد القيمة يرفع الجهالة إذ الواجب لما عجز عن الأصل بصفته رد مثل ما التزم فيلزمه قيمته.
الثالث: أن إيجاب رد المثل في القرض، وما ألحق به من العقود لوجوب المثل قد تقدم الجواب عليه في مناقشة أدلة القول الثاني [5] .
الرابع: أن قولهم بأن إيجاب القيمة فيها يفضي إلى ربا النسيئة غير مسلم؛ لما روى ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله! إني أبيع الإبل بالبقيع [6] ، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذا من هذه. وأعطي هذه من هذا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء ) ) [7] . وهذا يدل على جواز أن يقضي عن الذهب الفضة وعن الفضة الذهب [8] بشرط ألا يفارقه حتى يقبض ماله منعاً للنسيئة [9] . وعلى هذا فإن
(1) ينظر: شرح فتح القدير (6/ 264 - 267) ، تبيين الحقائق (4/ 142 - 144) .
(2) ينظر: المبسوط (14/ 30) ، شرح فتح القدير (7/ 157) ، حاشية الشلبي (2/ 138) ، مجمع الأنهر (2/ 122) ، حاشية رد المحتار (5/ 162) ، الفتاوى الهندية (1/ 309 - 310) .
(3) المنتقى شرح الموطأ للباجي (3/ 234) .
(4) ينظر: المبسوط (13/ 40 - 41) ، حاشية رد المحتار (4/ 565) ، الفروق للقرافي (4/ 13) ،= =مواهب الجليل (4/ 409) ، فتح العزيز شرح الوجيز (4/ 160) ، مغني المحتاج (2/ 43) ، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (29/ 466) ، معونة أولي النهى (4/ 115) ، الحوافز التجارية التسويقية وأحكامها في الفقه الإسلامي ص (223 - 225) .
(5) ص (107) .
(6) البقيع: اسم يقال للموضع الذي فيه شجر. وهو موضع بمدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ذا شجر وزال وبقي الاسم وفيه المقبرة.
[ينظر: معجم ما استعجم من أسماء البلدان (1/ 265) ، معجم البلدان (1/ 473) ] .
(7) أخرجه أحمد، رقم (4883) (2/ 33) ، وأبو داود في كتاب البيوع، باب في اقتضاء الذهب من الورق، رقم (3354، 3355) ، ص (521) ، والنسائي في كتاب البيوع، باب أخذ الورق من الذهب، رقم (4593) ، ص (632) ، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في الصرف، رقم (1242) ، ص (303) ، وابن ماجه في كتاب التجارات، باب اقتضاء الذهب من الورق والورق من الذهب، رقم (2262) ، ص (244) .
وقال الترمذي: (( هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر ) ). وقد صححه الحاكم في المستدرك (2/ 44) ، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان كما في الإحسان رقم (4920) (11/ 287) ، وابن عبدالبر في التمهيد (6/ 292) ،= =والنووي في المجموع شرح المهذب (9/ 273) ، وحسنه السبكي في تكملة المجموع شرح المهذب (10/ 110 - 111) ، وقد ضعفه ابن حزم في المحلى (8/ 504) .
(8) ينظر: التمهيد لابن عبدالبر (16/ 8 - 10) ، سبل السلام (3/ 34) .
(9) ينظر: المبسوط (20/ 161) ، شرح فتح القدير (6/ 519) ، المدونة الكبرى (4/ 137) ، التلقين للقاضي عبدالوهاب (2/ 378) ، المجموع شرح المهذب (9/ 275) ، مغني المحتاج (2/ 70) ، الفروع (4/ 166) ، قواعد ابن رجب ص (81) ، مطالب أولي النهى (3/ 185) ، الفتاوى السعدية ص (351) .