فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 498

مال يتيمه، ومن ذلك ما ذكره الشاطبي من (( أن الأب في طفله، أو الوصي في يتيمه، أو الكافل فيمن يكفله مأمور برعاية الأصلح له، وهو يصرف ماله إلى وجوه من النفقات، أو المؤن المحتاج إليها، وكل ما يراه سبباً لزيادة ماله، أو حراسته من التلف جاز له بذل المال في تحصيله. ومصلحة الإسلام عامة لا تتقاصر عن مصلحة طفل، ولا نظر إمام المسلمين يتقاعد عن نظر واحد من الآحاد في حق محجوره ) ) [1] .

والذي يظهر للباحث أن هذا القول الذي ذكره الجويني ومن تبعه من أهل العلم لا يخالف ما تقدم من الإجماع الذي نقله ابن حزم وابن تيمية من تحريم فرض وظائف مالية، فإن ذلك محمول على استقامة الحال وعدم الاضطرار إلى ذلك بأن تكون واردات بيت المال كافية؛ لسدِّ حاجات المسلمين في إقامة الجهاد وحفظ البلاد و إقامة مصالح العباد. ومما يؤكد هذا أن ابن حزم، وهو الذي نقل الإجماع على تحريم التوظيف، يرى جوازه إذا دعت إليه الضرورة قال: (( وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات ولا فيء [2] سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة ) ) [3] .

المسألة الثالثة: حكم تفعيل التوظيف في معالجة التضخم النقدي

بناء على ما تقدم من أن الإجماع منعقد على تحريم التوظيف إلا في حال الضرورة على ما وصف في المسألة السابقة. فلنتمكن من التوصل إلى حكم تفعيل التوظيف في معالجة التضخم النقدي نحتاج إلى النظر؛ هل هناك ضرورة إلى تفعيل التوظيف لمعالجة التضخم النقدي، أم أن الضرورة التي جعلها أهل العلم شرطاً لجواز وضع الوظائف غير متحققة في التوظيف من أجل معالجة التضخم النقدي؟ وذلك أن الضرورة التي يستباح بها المحرم لابد أن يتحقق فيها شرطان التاليان [4] :

الشرط الأول: أن لا يمكن دفع الضرورة إلا من هذا الطريق المحرم.

الشرط الثاني: أن يُتيقن اندفاع الضرورة بهذا المحرم.

وبالنظر إلى مسألة تفعيل التوظيف في معالجة التضخم النقدي يتبين أن هذين الشرطين غير متحققين، وذلك لما يأتي:

أولاً: أن هناك عدة وسائل وطرق يمكن من خلالها معالجة التضخم النقدي كالوسائل المباحة التي تناولها هذا الباب كتفعيل إخراج الزكاة وتنظيم عرض النقود وتدبير الإنفاق، فلا يتعين التوظيف لمعالجة التضخم النقدي، وبهذا يفوت شرط أن لا يمكن دفع الضرورة إلا من هذا الطريق المحرم.

ثانياً: أن معالجة التضخم النقدي عن طريق تفعيل التوظيف ووضع الضرائب لا يتيقن اندفاع الضرورة بها، وذلك لأن هناك العديد من الصعوبات الإدارية والفنية والتنفيذية التي تحول دون تحقيق المقصود [5] . بل على العكس من ذلك فإن تفعيل

(1) الاعتصام (2/ 620) . ينظر: غياث الأمم في التياث الظلم ص (264 - 265) .

(2) الفيء: هو ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد. ...

[ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة (فيأ) ص (722) ، أنيس الفقهاء ص (183) ] .

(3) المحلى (6/ 156) .

(4) ينظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص (173 - 175) ، المنثور في القواعد (2/ 317 - 318) ، التحبير شرح التحرير (8/ 3847) ، مجموع الفتاوى (24/ 268 - 269) ، نظرية الضرورة الشرعية ص (289 - 335) .

(5) ينظر: التحليل الاقتصادي لظاهرة التضخم النقدي (2/ 331 - 335) ، نظرية التضخم ص (444) ، آثار التغيرات في قيمة النقود ص (338 - 339) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت