بتثبيت الأسعار وتحديدها. وقد قامت عدة دول بتفعيل سياسة التسعير للحد من الضغوط التضخمية والارتفاعات المتلاحقة لأسعار السلع والخدمات. ومن أشهر تلك الدول البرازيل والأرجنتين. ومن الملاحظ على تلك التجارب أن تأثيرها لم يدم طويلاً، بل إن التضخم النقدي عاود جموحه بعد فترة قصيرة من النجاح، وذلك بسبب الاقتصار على هذه السياسة دون دعمها بالإجراءات المالية والنقدية الأخرى [1] .
واستعمال التسعير في معالجة آثار التضخم النقدي يحقق فائدتين:
الأولى: كبح ارتفاع أسعار السلع والخدمات التي لم يزد الطلب عليها، أو التي لم ترتفع تكاليف إنتاجها حماية للمشترين من مسايرة أصحاب السلع والخدمات للاتجاه التصاعدي للأسعار [2] .
الثانية: تشجيع الناس على الادخار ونقص الاستهلاك، فإنه في الظروف التضخمية وتصاعد الأسعار يزيد الطلب على السلع والخدمات تلافياً للشراء بأسعار أكثر ارتفاعاً في المستقبل. وهذا المسلك لا يزيد الأمر إلا شدة والتضخم النقدي إلا زيادة [3] . فالتسعير يعطي المستهلك طمأنينة في أن ما يحتاجه غداً سيحصله بنفس سعر اليوم فلا داعي إلى شرائه قبل وقت حاجته، فيتقلص بذلك أثر توقعات معدل التضخم النقدي في قرار الشراء الاستباقي أي السابق على الحاجة الفعلية [4] .
المطلب الأول: الأصل في التسعير
ذهب جمهور العلماء من الحنفية [5] ، والمالكية [6] ، والشافعية [7] ، والحنابلة [8] إلى أن الأصل عدم جواز التسعير لما يأتي من الأدلة:
أولاً: قول الله - عز وجل: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [9] .
وجه الدلالة:
أن الله تعالى جعل التراضي شرطاً لإباحة التجارات، والتسعير يفوت ذلك، إذ إنه يتضمن إلزام أصحاب السلع والخدمات أن يبيعوا بما لا يرضون [10] .
ثانياً: قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إنما البيع عن تراض ) ) [11] .
ثالثاً: قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( لا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفس
(1) ينظر: الاقتصاد الكلي للدكتور نصر ص (673) .
(2) ينظر: التحليل الاقتصادي لظاهرة التضخم النقدي (2/ 386) ، موسوعة المصطلحات الاقتصادية والإحصائية ص (679) .
(3) ينظر: موسوعة المصطلحات الاقتصادية والإحصائية ص (221، 341) .
(4) ينظر: التحليل الاقتصادي لظاهرة التضخم النقدي (2/ 386) .
(5) ينظر: شرح فتح القدير (10/ 59) ، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (6/ 28) .
(6) ينظر: التاج والإكليل (6/ 246) ، المنتقى شرح الموطأ للباجي (5/ 20) .
(7) ينظر: مغني المحتاج (2/ 392) ، حاشية قليوبي وعميرة (2/ 231) .
(8) ينظر: الفروع (4/ 51) ، الإنصاف (4/ 338) .
(9) سورة النساء، من الآية: (29) .
(10) ينظر: المحلى (9/ 40) ، نيل الأوطار (5/ 260) .
(11) رواه ابن ماجه، كتاب التجارات، باب بيع الخيار، رقم (2185) . من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -. قال في مصباح الزجاجة (2/ 168) : (( هذا إسناد صحيح رجاله ثقات ) ).