والظاهر أنه لا فرق في جواز إخراج القيمة في زكاة الأعيان بين معدلات التضخم ما دام إخراج القيمة في الزكاة يحقق المعاني المتقدمة. فإن لم يحقق مصلحة أو يدفع حاجة، بل تضمن إخراج أدنى من جنس المال الذي وجبت فيه الزكاة كحالات التضخم المفرط التي لا يثق الناس فيها بالنقود، بل يسعى الناس فيها إلى التخلص من النقود لسرعة انخفاض قيمتها ففي هذه الحال يتوجه القول بعدم جواز إخراج القيمة في زكاة الأعيان؛ لأنها تكون في هذه الحال من رديء المال، وقد قال الله - عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [1] .
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منع إخراج الفلوس عن النقدين في الزكاة ما يشهد لهذا قال ~: (( أما الفلوس فلا يجزئ إخراجها عن النقدين على الصحيح؛ لأنها ولو كانت نافقة، فليست في المعاملة كالدراهم في العادة؛ لأنها قد تكسد ويحرم المعاملة بها، ولأنها أنقص سعراً ) ) [2] .
أما على القول بجواز إخراج القيمة في زكاة الأعيان مطلقاً، فالذي يظهر للباحث أن التضخم النقدي في مستوياته الدنيا والمتوسطة ليس له تأثير على القول بالجواز؛ لأن المعتبر في تجويز إخراج القيمة في زكاة الأعيان كونها أكثر نفعاً وأدفع لحاجة الفقير [3] . وهذان المعنيان لا يزولان إلا في حال التضخم المفرط فعلى هذا لا يمنع التضخم النقدي الزاحف والمتوسط من القول بجواز إخراج القيمة. أما في حالات التضخم المفرط فإن إخراج النقود لا نفع فيه للمستحقين بل فيه ضرر عليهم في الغالب؛ لأن التوجه العام في حالات التضخم هو التخلص من الأوراق النقدية فراراً من ضعفها وخوفاً من زيادة تدهورها وطلباً لما هو أكثر أمناً في حفظ الثروة. فإخراج القيمة في مثل هذه الحال هو من باب إخراج الرديء عن الطيب، وهو مما نهى الله عنه كما تقدم.
الأمر الأول: إخراج القيمة في زكاة عروض التجارة
اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ فيما يجب في زكاة عروض التجارة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: تجب الزكاة في قيمة العروض دون عينها.
وهذا مذهب المالكية [4] ، والصحيح عند الشافعية [5] ، والمذهب عند الحنابلة [6] .
القول الثاني: صاحب المال مخير بين إخراج الزكاة من عين العروض وبين إخراجها من القيمة.
وهذا مذهب الحنفية [7] ، وقول عند الشافعية [8] .
القول الثالث: تجب الزكاة في عين العروض دون قيمتها.
(1) سورة البقرة، آية: (267) .
(2) الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية (5/ 372) .
(3) ينظر: بدائع الصنائع (2/ 73) ، مجمع الأنهر (1/ 229) ، الجوهرة النيرة (1/ 134) .
(4) ينظر: المعونة للقاضي عبدالوهاب (1/ 371) ، المنتقى شرح الموطأ للباجي (2/ 121) .
(5) ينظر: الحاوي الكبير (3/ 289) ، المجموع شرح المهذب (6/ 68) .
(6) ينظر: كشاف القناع (2/ 178) ، مطالب أولي النهى (2/ 22) .
(7) ينظر: المبسوط (2/ 192 - 193) ، شرح فتح القدير (2/ 218) .
(8) ينظر: الحاوي الكبير (3/ 288) ، المجموع شرح المهذب (6/ 69) .