ثانياً: أن التسوية بين الأولاد لا تكون إلا بإعطاء المثل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة بشير - رضي الله عنه: (( أكل ولدك نحلته مثل هذا ) ) [1] . وإعطاء المُفَضَّل عليه قدر الأوراق النقدية التي أعطيت للمُفَضَّل بعد نقصان قيمتها التبادلية الشرائية لا يتحقق به المثلية التامة التي وجه إليها النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنها مثلية صورية تخلفت فيها المثلية المعنوية تخلفاً تختل به التسوية.
أدلة القول الثاني:
أولاً: أن إعطاء المُفَضَّل عليه مثل ما أعطى المُفَضَّل من الأوراق النقدية يحصل به التسوية بين الأولاد والعدل بينهم لتحقق المثلية.
يناقش: بأن المثلية في الأوراق النقدية في حال نقص قيمتها الشرائية التبادلية لا يكفي فيها المثلية الصورية، بل لا بد من المثلية المعنوية كما تقدم غير مرة.
ثانياً: أن الهبة عقد تبرع، فلا يستقصى فيها كما يستقصى في عقود المعاوضات [2] .
يناقش هذا: بأن الاستقصاء في تحقيق المماثلة هنا إنما هو لأجل تحقيق العدل المأمور به في قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ) ) [3] . ووجوب العدل هنا حق للآدمي يتضرر بفواته. وحقوق الآدميين مبنية على الضيق والمشاحة [4] .
الترجيح
الذي يظهر للباحث أن القول الأول أقرب القولين للصواب، فلابد من مراعاة نقص القيمة الشرائية التبادلية للنقود في التعديل بين الأولاد والتسوية بينهم، دفعاً للتباغض والشحناء عنهم.
وعلى هذا فإذا وهب الوالد أحد أولاده ألف ريال مثلاً، ثم أراد أن يسوِّي بينهم بعد حدوث تضخم نقدي نسبته ثلاثون في المائة، فإن التسوية بينهم تتحقق بأن يعطي المُفَضَّل عليهم ألفاً وثلاثمائة ريال، والله أعلم.
اتفق أهل العلم على أن عطية المريض مرضاً مخوفاً صحيحة، وتعتبر من ثلث ماله إذا كانت العطية لغير وارث [6] . وذلك لما روى سعد بن أبي وقاص [7] - رضي الله عنه - قال: عادني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع من وجع أشفيت [8] منه على الموت، فقلت: يا رسول الله بلغني ما ترى من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي
(1) سبق تخريجه ص (246) .
(2) ينظر: بدائع الصنائع (6/ 129) ، الذخيرة للقرافي (6/ 271) ، مغني المحتاج (3/ 561) .
(3) سبق تخريجه ص (247) .
(4) ينظر: التقرير والتحبير (3/ 231) ، الإحكام للآمدي (2/ 290) ، الإبهاج شرح المنهاج (3/ 241) ، الإنصاف (8/ 427) .
(5) المرض المخوف: هو ما يكثر حصول الموت منه.
وقيل: ما كان سبباً صالحاً للموت، فيضاف إليه ويجوز حدوثه عنده.
[ينظر: تبيين الحقائق (6/ 196) ، التاج والإكليل (6/ 663 - 664) ، نهاية المحتاج (6/ 60) ، الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية (5/ 440) ] .
(6) ينظر: بداية المجتهد (2/ 46) ، الإجماع لابن المنذر ص (137) ، مراتب الإجماع ص (96) .
(7) سعد بن أبي وقاص واسم أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف الزهري القرشي، فارس الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم سابع سبعة ومناقبه جمة، شهد المشاهد كلها، توفي عام خمسة وخمسين - رضي الله عنه -.
[ينظر: سير أعلام النبلاء (1/ 92) ، الإصابة في تمييز الصحابة (3/ 83) ] .
(8) من أشفى على الشيء، أي: أشرف عليه.
[ينظر: الفائق (2/ 40) ، لسان العرب، مادة (شفى) (9/ 185) ] .