التضخم النقدي يسبب نقص القيمة التبادلية الشرائية للنقود، فتضعف بذلك إحدى أهم وظائف النقود، وهي كونها وسيلة لحفظ الثروة وخزنها، وتوالي هذا التناقص في القيمة الشرائية التبادلية للنقود أو كبر حجمه يفضي غالباً إلى زهد الناس في الاحتفاظ بالأوراق النقدية. ولذلك فإنه لا ينبغي قصد إخراجها في الصدقة، إلا إذا كانت هي ما بحضرته، أو كان ماله من جنسها. ويدل لذلك الأوجه التالية:
أولاً: أن الأوراق النقدية في أوقات التضخم النقدي ليست من أطيب الكسب، بل إنها في أحوال النسب المرتفعة للتضخم النقدي كالتضخم النقدي الجامح من رديء المال الذي ينبغي عدم قصد إخراجه، سواء في الصدقة الواجبة أو المتطوع بها؛ لقول الله - عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [1] ؛ فإن الله - عز وجل - نهى في هذه الآية الكريمة (( عن قصد إخراج الرديء للفقير. ونهيه سبحانه عن قصد ذلك وتيممه فيه ما يشبه العذر لمن فعل ذلك لا عن قصد وتيمم، بل عن اتفاق إذا كان هو الحاضر إذ ذاك، أو كان ماله من جنسه، فإن هذا لم يتيمم الخبيث، بل تيمم إخراج بعض ما من الله به عليه [2] . وغير خافٍ أنه في حالات ارتفاع نسبة التضخم النقدي كحالات التضخم المفرط لا يثق الناس فيها بالنقود، بل يسعى الناس فيها إلى التخلص من النقود لسرعة انخفاض قيمتها؛ لما يترتب على الاحتفاظ بها من الخسارة.
ثانياً: القياس على ما ذكره فقهاء الحنفية من تفضيل إخراج الدراهم في الصدقة
(1) سورة البقرة، الآية: (267) .
(2) طريق الهجرتين ص (613) .