قيمتها التبادلية الشرائية استلزم ذلك النظر في ضمان هذا النقص.
فمثلاً إذا أخّر شخص إخراج الزكاة بعد تمكنه من أدائها ثم طرأ التضخم النقدي أو ازدادت نسبته عن يوم وجوب الزكاة بمعدل لا يتسامح الناس بمثله عادة، فهل يضمن رب المال هذا النقص في القيمة التبادلية بسبب التضخم النقدي؟
الذي يظهر للباحث أنه يتخرَّج في هذه المسألة قولان:
القول الأول: أن مؤخِّر إخراج الأوراق النقدية لا يضمن ما طرأ من نقص قيمة النقود التبادلية.
القول الثاني: أن مؤخِّر إخراج الأوراق النقدية يضمن ما طرأ من نقص قيمة النقود التبادلية.
أدلة القول الأول:
أولاً: أن الثابت في الذمة هو قدر الزكاة يوم وجوبها، فلا يلزمه غير ذلك.
ثانياً: أن الضمان الذي ذكره الفقهاء في تأخير الزكاة بعد وجوبها وإمكان أدائها إنما هو فيما إذا تلف المال الذي تجب زكاته أو نقصت عينه. أما نقص قيمته فإنه غير مضمون، ولذلك فإن من كان عنده أربعون شاة فالواجب فيها شاة سواء أخرجها في وقتها أو أخرها مع إمكان الأداء. وكذلك سائر الأموال الزكوية التي تجب الزكاة في عينها. ومن ذلك زكاة الأوراق النقدية، فإنها إنما تعتبر القيمة فيها ضرورة لتقدير النصاب.
ثالثاً: أن القول بالضمان فيما إذا نقصت القيمة التبادلية للأوراق النقدية يفضي إلى اضطراب وتناقض؛ وذلك أن القدر المعين من الأوراق النقدية يكون مما تجب فيه الزكاة؛ لبلوغ قيمتها أدنى نصابي الذهب أو الفضة يوم وجوب الزكاة، ثم إنه بسبب التضخم النقدي يصير المال الذي أخَّر إخراج زكاته مما لا تجب فيه الزكاة؛ لأن قيمته لا تبلغ نصاباً يوم إخراج الزكاة.
فمثلاً إذا كانت قيمة نصاب الأوراق النقدية يوم وجوب الزكاة في المال ألف ريال، وفي يوم إخراجها مؤخرة انخفضت القيمة التبادلية للنقود فصارت قيمة نصاب الأوراق النقدية ألفي ريال. فعلى هذا إذا كان قدر المال الذي حال عليه الحول وأخَّر إخراج زكاته ألفاً وستمائة ريال، فإن قدر الزكاة يوم الوجوب أربعون ريالاً، أما بعد تأخير إخراج زكاتها وحدوث التضخم النقدي الذي ترتب عليه ارتفاع نصاب الأوراق النقدية إلى ألفي ريال، فإن الألف والستمائة الريال تصير مما لا تجب فيه الزكاة؛ لأنها دون النصاب.
ولذلك فإن القول المطرد السالم من الاضطراب أن تعتبر قيمة النقود الورقية نصاباً وإخراجاً؛ إما في يوم وجوب الزكاة، وإما في يوم إخراجها.
وهذا ما جرى عليه الحنفية [1] ، والمالكية [2] ، والشافعية [3] ، والحنابلة [4] في زكاة عروض التجارة إذا أخرت؛ حيث اعتبر أبو حنيفة والحنابلة القيمة يوم الوجوب نصاباً وإخراجاً، وأما الصاحبان: أبو يوسف ومحمد بن الحسن فاعتبرا في ذلك يوم الأداء.
وقد ذكر الكاساني [5] ~ صورة المسألة فقال: (( من كانت له مائتا
(1) ينظر: شرح فتح القدير (2/ 219) ، حاشية رد المحتار (2/ 22) .
(2) ينظر: حاشية العدوي (1/ 484) ، حاشية الدسوقي (1/ 484) .
(3) ينظر: تحفة المحتاج (3/ 300) ، أسنى المطالب (1/ 383) .
(4) ينظر: الفروع (2/ 504 - 505) ، كشاف القناع (2/ 241) .
(5) أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، فقيه من أئمة الحنفية، كان يلقب بملك العلماء، له عدة مصنفات جليلة منها: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، توفي عام (587 هـ) .
[ينظر: الجواهر المضيئة (4/ 25) ، الفوائد البهية ص (53) ] .